اسكندرية نجيب محفوظ

 
 
    عبد الله هاشم    

القاهرة عند نجيب محفوظ هى عالمه الأثير.. والقاهرة الشعبية التى صورها فى رواياته جزء هام من مصر.. بل هى مصر فى فترات تاريخها الممتد.. لقد خلد القاهرة فى رواياته وحافظ على تاريخها الشعبى الجميل والصعب.. وإذا انتزعنا أحياء القاهرة من أعماله الروائية ستفقد الكثير والكثير..
المدينة الثانية التى أحبها نجيب محفوظ هى الإسكندرية والتى صورها فى فترات الأزمات التى يمر بها أبطال روايته.. هل نستطيع أن نتصور رواية "ميرامار" بدون الإسكندرية؟ هل نستطيع أن نتصور "عيسى الدباغ" بعد أن فقد مجده وهيلمانه؟ أين كان سيذهب بدون الإسكندرية التى كانت لها دور خطير فى حياته؟ هل كانت الإسكندرية دون غيرها هى التى خرج منها "صابر صابر الرحيمى" فى رواية "الطريق"؟ فكيف قدم نجيب محفوظ الإسكندرية فى رواياته الثلاث.. هذا ما سنحاول رصد جزء منه فى هذه العجالة لأن الإسكندرية فى أعماله تستحق كتاباً كاملاً.
"الإسكندرية أخيراً..
الإسكندرية قطر الندى، نفثة السحابة البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع".
هذه هى الإسكندرية كما قدمها نجيب محفوظ على لسان "عامر وجدى" بطل روايته "ميرامار"، هذا الصحفى المخضرم الذى يرصد ويحلل.. أما "حسن علام" التى أممت الثورة أرضه فهو يرى الإسكندرية: 
"وجه البحر أسود محتقن بزرقة. يتميز غيظاً. يكظم غيظه. تتلاطم أمواجه فى اختناق. يغلى بغضب أبدى لا متنفس له. الكورنيش لا يرى من شرفة "سيسل". إن لم أنحن فوق السور فلا سبيل لرؤيته. البحر يمتد تحتى مباشرة كأنما أراه من سفينة وهو يترامى حتى قلعة قايتباى محصوراً بين سياج الكورنيش وذراع حجرى يضرب فى الماء كالغول.. بينما يختنق البحر. يتلاطم فى تثاقل وهو كظيم. بوجه أسود ضارب للزرقة. منذر بالغضب. يضطرم بباطن محشو بأسرار الموت ونفاياته" ص 87،88.
أما المذيع "منصور باهى" صاحب القضية السياسية التى قضى فى السجن أعواماً من عمره بسببها، فالإسكندرية عنده بعد خروجه من السجن: 
"وقفت فى الشرفة وحيداً. ترامى البحر تحتى إلى غير نهاية. ينبسط فى زرقة صافية بديعة. وتلعب أمواجه الهادئة بلآلئ الشمس. غمرتنى ريح فى ملاطفة متفرقة. كاد يغلبنى الحزن ولكن سمعت حركة خفيفة فى الحجرة فالتفت مستطلعاً. فرأيت زهرة وهى تفرش السرير بالملاءات والأغطية. عملت بهمة دون أن تنظر نحوى. فتمليتها على مهل. وسرعان ما أكبرت ملاحتها الريفية الباهرة" ص 142.
أما "سرحان البحيرى" الانتهازى الذى ركب الثورة فكيف كانت الإسكندرية بالنسبة له:
"هاى لايف.. معرض اشكال وألوان مثير للشغب، شغب البطون والقلوب. موجة هادئة من الأنوار الباهرة تسبح فيها قدور فواتح الشهية، الألبان الحريفة والمسكرة، اللحوم المقددة والمدخنة والطازجة، الألبان ومستخرجاتها، القوارير المضلعة والمنبسطة والمبططة والمربعة والمنبعجة المترعة بشتى الخمور من مختلف الجنسيات. لذلك تتوقف قدماى بطريقة أتوماتيكية أمام كل بقالة يونانية. وهواء الخريف يلفحنى بدسامته الجنسية. وعيناى يرنوان إلى الفلاحة بين الزبائن أمام الطاولة" ص 203-204.
إن نجيب محفوظ لا يستخدم الإسكندرية وبحرها وملاحتها كديكور، بل كعامل أساسى فى تكوين نفسية الشخصية والتداخل فى إحداثها. فالبحر هنا يعبر عن داخل الشخصيات التى قدمها فى روايته "ميرامار". كلٌ يعبر عن ما يهمه، كما استشهدنا بمقاطع عن هذا.
***
السمان والخريف هى التى تلعب الإسكندرية دوراً حيوياً وأساسياً فى أحداثها. فعندما فقد عيسى الدباغ عمله وطموحه السياسى بقيام الثورة، لم يجد بداً من الذهاب إلى الإسكندرية "وصارع التردد أشهراً، ويوماً قال لأمه: إنى أفكر حقاً فى السفر إلى الإسكندرية. وكانت الأم تزداد اعتياداً لغرابة أطواره ونحولا. فقالت بهدوء:
-ولكن الصيف انتهى.
-أريد الإقامة لا التصييف.
فاختلج جفناها قلقاً. فاستطرد قائلاً:
-أعنى لفترة من الزمن.
-ولكن لماذا؟
-أود أن أقيم فى مكان لا يعرفنى فيه أحد ولا أعرف فيه أحداً" ص79.
ولكن الأحداث تتطور ويتعرف على "ريرى" بل إنه ينجب بنتاً منها. لتلعب الإسكندرية دوراً خطيراً فى حياته، والاستشهاد الذى يقدمه نجيب محفوظ ليس وصفاً لشوارع الإسكندرية، ولكنه يقدم عيسى الدباغ فى حياته "ورثى عيسى إلى ضحايا التاريخ من قلب متأوه. وأفرغ الثمالة ثم غادر المحل وسار على مهل فى شارع سعد زعلول. أحب شوارع الإسكندرية إلى نفسه وبخاصة بعد الثورة. إنه شارعه الخاص على وجه ما، ويحب كثيراً أن يقطعه ولو مرة كل يوم جيئة وذهاباً، ليناجى فيض الذكريات. واقترب الوقت من نصف الليل. وشاعت فى الجو برودة رقيقة منعشة. وبدا المجال كله ملفعاً بالهجران. وألقى نظرة إلى ظهر التمثال المحدق فى البحر. وطوح برأسه على طريقة الباشا الذى حلا له قديماً محاكاته. واستقل الترام إلى الإبراهيمية، ثم ذهب إلى الكورنيش ليسلى أعصابه بالمشى الوئيد. وفاقت ملاحة الجو خيال رأسه الدائر بالشراب. وومضت النجوم فى الثغرات الواسعة بين السحاب، واستكان البحر كالنائم تحت الظلام، وعلى البعد امتد سياج من الأضواء الثابتة فوق مراكب الصيد. وخلا الطريق من الأحياء. فعادت تلح صورة الهجران. وجلس على أريكة حجرية ينعم بالصمت والحنان". ص95-96.
***
أما رواية "الطريق" فإن الإسكندرية هى البداية التى خرج منها "صابر الرحيمى" الإنسان الغارق فى التراب أو الغارق فى المادة. المادة أقوى منه والروح ضعيفة. اختيار الإسكندرية وحضارتها التى تأثرت بالحضارة الرومانية التى تعتمد على الحس والجسد الإنسانى النسوى وعبادته، ثم القاهرة بمآذنها وروحانيتها التى تجمع بين إلهام "الروح" وكريمة "الجسد".. "وتعلق بصره بالإسكندرية والقطار يرج الأرض مبتعداً. رآها مدينة من الأطياف مغروسة فى حلم الخريف تحت مظلة هائلة من السحب، وهواء بارد معبق بمطلع نوفمبر يجوب شوارعها الأنيقة شبه الخالية. وودعها وأمه وذكريات ربع قرن من الزمان بزفرة طويلة ساخنة. وكيف يكون الحال لو أن من تبحث عنه قد خلفته وأنت لا تدرى فى ركن من الإسكندرية لم يبلغه مسعاك. ومن ضمن لك أن يكون حظك فى القاهرة خيراً منه فى الإسكندرية. وكم فى البحر من أمواج. وكم فى السماء من نجوم".ص25.
لقد برع نجيب محفوظ فى اختيار الإسكندرية وتقديمها بكل هذا الحس الشبقى وجعلها رمزاً للحضارة المادية. إن الأم "بسيمة عمران" هى الأرض التى نبت وخرج منها "صابر الرحيمى" وكريمة هى الحياة بكل حسيتها وشهواتها. أما إلهام فهى الروح أو الوسط بين الروح والمادة. الإنسان الحائر بين المادة والروح "أين الله حقاً؟ هو عرف اسم الله ولكنه لم يشغل باله قط. ولم تشده إلى الدين علاقة تذكر. ولا شهد النبى دانيال ممارسة عادة دينية واحدة فهو يعش فى عصر ما قبل الدين"ص47.
وينتهى هذا الإنسان الخاطئ إلى السجن والموت "فى السجن وحدك. لا يزار من ليس له أهل. وإلهام تخطر كالحلم. غزواتك فى الإسكندرية. الحب الأعمى الذى رفعه إلى المشنقة" ص169.
***
هكذا كانت الإسكندرية فى روايات نجيب محفوظ. لم تستخدم كديكور أو وصف سائح يزور الإسكندرية فى الصيف. ولكن اسكندرية نجيب محفوظ هى العمق والتاريخ القديم والحديث. هى عمق الروايات وأحداثها وسر عبقرية هذا الكاتب العالمى.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2009 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان