الخيال العلمي هو الحل

 

رجب سعد السيِّد

ثمَّـة دلائل عديدة تـؤكــد أن ثقافتنــا العربية تسير برجـل واحدة، هي الثقافة الأدبية. إن كلمة " ثقافة "، عند جانب كبير من المشتغلين بالشـــأن الثقافي، لا تســـتدعي ســـوى الشعر، وفن القص، والمقالة، وأحياناً المسرح؛ فـــــــإذا كــان المجال يتسع لأكثر من ذلك، دخلت الموســــيقى والفنون التشكيلية. وإذا ذُكِــر لفظ ( عـلـــم )، في حديث عن الثقافة، كان التجاهل، وربما الاســتنكار. لقد اقترحنــا اسم الراحل " الدكتور عبد المحســن صـالــح "، للتكريم في مناسبة ثقافية، ضمن قائمة من رواد ( الثقــــافة ) في الإسكندرية، من شـــــعراء وقصاصين و ( علمـــــاء ) فـــي الآداب، فرفـض المســـــــؤولون تكريمـه، بحجَّــــة أنه : ( عالم ) !.
وفي عملية إحصاء بسيطة، قمنا بها لإصــدارات أكبر مؤسستين للنشر في مصر، هما الهيئة المصرية العامة للكتاب، ودار المعارف؛ لم يزد نصيب كتاب الثقافة العلمية، فـــي أيٍّ من المؤسســـــــتين، على مــــرِّ تاريخ نشـــــاطهما الطويل، عن 20%، في أفضل الأحوال.
وإذا كان ذلك هو حال ثقافة الكبار، فإن حالة ثقافة الأطفال - عامةً - أشد سوءاً، وأدعى للأســـف والحزن. لقد سمعت الأستاذ " عبد التواب يوسف "، يقول في مؤتمر أدبي، أن نصيب الطفل الأوربي من الكتب المخصصـــــــة لـــه، يزيد عن ثمانية، في السنة؛ بينما لا يقدم كتَّــابنا وناشـــــرونا إلى أطفالنا، في العالم العربي، إلاَّ سطراً واحداً، على الأكثر، لكل طفل، في السنة !.
نقول هذا، بالرغم من وجود ظواهر تشير إلى أن السنوات الأخيرة قد شهدت هبَّـةً في ميدان الكتابة للأطــفال، حتى صار كل من هــبَّ ودبَّ كاتب أطفال ( رأينا المحرر العسكري لدار صحفية كبيرة، يكتب للأطفال في مجلة للصغار، استحدثتها الدار !). ولم تهدأ تلك الهبَّة، بعد، كي يستطيع المراقبون والمهتمون أن يتمعَّنــوا فيما تمخَّضــت عنه من كــمٍّ ونوع؛ ولكن، بصفة عامة، يمكننا القول بأن هذا النشاط الحديث لم يخرج عن مفهوم الثقافة العرجــاء كثيراً؛ فبين عشرات ممن اقتحموا مجال الكتابة للأطــفال، مؤخَّـــراً، في مصر، لا تجد سوى كاتبين أو ثلاثة، على الأكثر، يقدمون للأطفــال ثقافة علمية جيدة.
إن أعمال التوثيق في مجال ثقافة الأطفال ( الأدبية والعلمية )، لا تتيح للباحث أن يؤدي عمله بشكل متكامل؛ بل إن تلك الأعمال غائبة، فلا توجد إحصائيات بمتناول الباحثين. ولعل المركز القومي لثقافة الطفل يصدر معجماً بالإصدارات الموجَّهة للأطفال في مصر، وهو الذي سبق أن أصدر معجماً لكتَّــاب الأطفال.
لقد قمنا بجولة سريعة في أحد مواقع شبكة المعلومات العالمية ( الإنترنت )، التي تعلن عن الكتب والمجلات المتخصصة، فأمكننا أن نحصي أكثر من 60 داراً للنشر، في بعض الولايات الأمريكية، متخصصة في كتب الأطفال؛ تتسابق لإشباع شهية القراء الصغار، المفتوحة للقراءة بصفة عامة، ولكتب الثقافة العلمية والخيال العلمي، بخاصة. 
وإننا ننحاز لرأي يقول بأن الخيال العلمي هو الوسيلة المثلى للربط بين فرعي الثقافة : الأدبي والعلمي؛ فهو كفيل بأن يجعل منهما شريكين متعاونين، في التأثير على الواقع.
وبالرغم من أن أغلب الإنتاج في مجال الخيال العلمي موجَّه - أساســاً - للكبار، فإن الأطفال - في الواقع - هم " المستهلكون " الحقيقيون لهذا الإنتـاج. وثمة من يرى أن كافة أشكال الخيال العلمي هي، في الحقيقة، أقرب إلى عالم الطفولة، حتى وهي تخاطب الراشدين، فهي تحيي فيهم طفولتهم. وثمة واقعة، ذات دلالة، حدثت في مدينة " ستوكهولم" ، منذ نحو عشر سنوات، عندما قامت أول مظاهرة من نوعها، للأطفــال؛ فقد تجمعوا أمام إحدى دور السينيما، احتجاجاً على قرار بمنع دخول الأطفال، الذين تقل أعمارهم عن 11 سنة، لمشاهدة فيلم من نوع الخيال العلمي، لامتلائه بمشاهد العنف, وتدور أحداثه حول مخلوق غريب، في هيئة طفل !.
إن الخيال العلمي هو الذي جعل كاتباً، مثل النرويجي " جوستين جاردر "، لا يتردد في أن يكتب للأطفال ما يتخيله البعض ( موضوعات ثقيلة )، فهو يمتلك القدرة على جعلها في مستوى إدراك الطفل. وقد أنتج "جاردر" عشرة كتب، بلغت جملة توزيعها 12 مليــــــون نسخة (!!)؛ ومن كتبــه : ( مرحبـــاً .. هـــل مـــن أحد هناك ؟!)، يغامر فيه بالدخول إلى عالم أسرار الحياة، والتاريخ الطبيعي للأرض، ونظرية التطــور. ولكاتب هذه السطور تجربة، في كتابه للأطفال ( الأرنب يحصل على ترقية)، ويقدم فيه حكاية علمية عن اكتشاف حديث في مجال كيمياء البروتينات، جعل علماء التصنيف ينقلون الأرنب من موضعه في طائفة القوارض، إلى عائلة اللبونيات !.
كما أن للخيال العلمي تأثيره السحري في قاعات الدرس؛ وقد لاحظ أحد أساتذة الفيزياء أن جفاف المادة العلمية لا يجعل تلاميذه يقبلون على الدرس، فأعدَّ سلسلة من الدروس، أسماها : ( الفيزياء وأدب الخيال العلمي )، اعتمد فيها على استخلاص أسس ومبادئ الفيزياء القديمة والحديثة، من خلال مطالعة 50 رواية من روايات الخيال العلمي، وتقديمها للتلاميذ؛ ونجح الخيال العلمي في إزالة جفاف المادة التي ينفر منها التلاميذ، في كل مكان !.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان