




















  
|
 |
 |
حلم إحياء فنار الإسكندرية هل يتحقق..؟!! |
|
|
|
تحقيق/ حسام عبد القادر |
|
ولكن ما هى المراحل التى بذلت لمحاولة إحياء الفنار والذى يبدو أنه على وشك الظهور إلى النور فى ظل تواجد اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية بفكره الثاقب ورؤيته الجيدة للأمور والمشاريع الجادة.. يحكى لنا التفاصيل الدكتور عمر الحديدى صاحب فكرة إعادة إحياء فنار الإسكندرية فيقول: أن جزيرة فاروس قديما كانت تمتد موازية للساحل بدءا من الميناء الشرقية عند نهاية الحى الملكى وانتهاءا بالجهة الغربية من الميناء وكانت هذه الجزيرة منفصلة تماما عن المدينة ومحصنة بأسوار وأبراج فى دوائرها وبها مبان وسكان، وكان فى نهاية هذه الجزيرة من جهة الشرق صخرة طولها يقرب من 2500 متر وهى الصخرة التى بنيت عليها المنارة أو الفنار الشهير، وكان الماء يحيط بهذه الصخرة من جميع الجهات كما ذكر بذلك "استرابون" قديما وكان هناك كوبرى يصل جزيرة فاروس بالمدينة ولم يكن حى الأنفوشى الحالى موجودا فى ذلك الحين بل كان البحر يصل إلى منطقة يطلق عليها اسم (ميدان اجورا) ثم يليه حى يطلق عليه اسم (حى راكوتس).
وبكل حلاوة أحلام الماضى الجميل لهذه المنطقة التاريخية التى كان لها فخر احتواء أحد عجائب الدنيا السبع لابد أن نتمالك أعصابنا عندما ندلف إليها حاليا وندخل هذا الطريق المؤدى إلى هذه الجزيرة، فسوف نجد فى الناحية اليمنى من الطريق مسجدا صغيرا، أما فى الناحية اليسرى فهناك حلقة الأسماك ومبنى قسم الشرطة ومبنى حى الجمرك الذى به مكاتب المسئولين عن هذا الحى.. وإذا ما واصلنا المسيرة فسيبدأ شعورنا لأول وهلة بالأسى والصدمة لما يجرى فى هذه المنطقة التاريخية من عبث، فسوف نجد على الناحية اليمنى مبان عشوائية لا تليق بهذه المنطقة التاريخية لنصل بعدها إلى ترسانة لبناء وإصلاح السفن الصغيرة والمراكب وهى وحدة لا بأس بها، أما إذا ألقينا نظرة على الناحية اليسرى المقابلة فيا للهول مبان كثيرة إذا سألت عليها فسوف تصيبك صدمة عندما تعرف أنها محطة صرف صحى هامة زرعت ونكبت بها هذه الجزيرة التاريخية وأطلقوا عليها تكريما وتعظيما (محطة قايتباى للصرف الصحى وخططوا لها بجهل كى تلقى بقازوراتها مباشرة فى الميناء الشرقية التاريخية ولينعم بالاستحمام فى تلوثها رواد النوادى العديدة المطلة على هذا الميناء وليهب ريحها المشبع بعطر التلوث على قلب المدينة ولتصبح الميناء الشرقية وما فى مياهها من آثار تاريخية أخطر موقع لتلوث البيئة بالإسكندرية، ومما يضاعف هذه الصدمة أنك ستجد فى باطن محطة الصرف الصحى يافطة لادارة قابعة وسطها بلا استحياء ولا خجل يطلقون عليها "الهيئة الاستشارية للتخطيط العمرانى لمدينة الإسكندرية"، وبعد مواصلة السير سنجد بعد محطة الصرف الصحى سور طويل يعلوه منصة تصل إلى مبانى القلعة وكان قد تقرر بناء هذا السور بذوق وذكاء متدنى ليصبح حاليا تشويها لهذا الموقع الفريد وموطنا لقهوة عشوائية ومكانا يسرح فيه بائعى اللب والحمص.. إلخ، أما فى الناحية اليسرى فنجد نادى اليخت بمبناه العتيق يليه مبنى النادى اليونانى المتهالك ثم المبنى الحديث لنادى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة وأخيرا يصل بنا المطاف إلى مبنى قميئ متهالك يحجب موقع الفنار القديم بل وقلعة قايتباى هذا المبنى العتيق مخصص حاليا لمعهد علوم البحار ويضم أيضا ما يسمونه متحف الأحياء المائية (اكواريوم) وأخيرا تصل بنا المسيرة إلى نهاية جزيرة فاروس لنجد على الناحية اليسرى قلعة قايتباى التى يقف عندها كل زائر من أنحاء العالم ليستاءل أين موقع فنار الإسكندرية الشهير الذى سمعنا عنه وعرفناه فى التاريخ؟ وما هذه القلعة فيلوذ الجميع بالصمت ويهمس أحدهم على استحياء بالقول أن الفنار كان فى موقع هذه القلعة ثم طمس وأزال المملوك قايتباى عام 1479 ميلادية آخر أثر له بعد أن تربع سلطانا على عرش مصر فى العصر المملوكى فقام بإزالة كل أثر للفنار ليبنى مكانه هذه القلعة برسومات تمت بمعرفة مهندس ألمانى من بلدة اوبنهايم فصممها على نظام قلاع العصور الوسطى وهو ما لا يتواكب مع العصور التى مرت بالإسكندرية فلا هى فرعونية ولا يونانية ولا رومانية ولا مسيحية ولا إسلامية ولا عربية إلخ، بل هى تقليد كما يقال لقلعة فى مدينة كاركاسون بجنوب فرنسا أنشأت فى العصور الوسطى بأوروبا.
أليس هذا كافيا لكى يدير الزائر ظهره كما يحدث كثيرا ويغادر المكان مسرعا مكتئبا محبطا لاعناً من طمس وقضى على بقايا وموقع هذا الفنار أحد عجائب الدنيا والأثر الفريد الذى كان شامخا فى جزيرة فاروس تحفة فنية تكنولوجية لم نكشف حتى الآن بعض أسرارها وكانت فائدته قومية لإشعاع نوره معلنا عن أهم مدينة حضارية فى العالم ومرشدا للسفن ومساهما فى تسهيل الحركة الدائبة بها وخير إعلان عن الحركة التجارية والحضارية المزدهرة فى الإسكندرية أعظم مدن ذلك العصر وقبلة العلماء والأدباء والفنانين الذين يفدون إليها من أنحاء العالم خاصة بعد أن أصبحت العاصمة بدلا من ممفيس، هكذا حاز هذا الفنار تقدير العلماء بأسرهم واحتل مكانه بجدارة مع أهرامات الجيزة فأدرجوهما بحق ضمن عجائب الدنيا السبع ولابد أن نشير هنا إلى خطأ يقع فيه الكثيرون حينما يتكلمون عن (عجائب الدنيا السبع) فيصفون الكثير من الآثار التاريخية بأنها ضمن العجائب السبع.. برج بيزا-سور الصين العظيم.. إلخ، إذ أن هذه العجائب السبع كان اختيارها بعد مناقشات عديدة بين العلماء أنها قبل التاريخ وأعلنها وعددها نيابة عنهم "انتيبار الصيدرونى" وهى كالآتى بالترتيب: أهرامات الجيزة 2580 ق.م، فنار الإسكندرية 279 ق.م، حدائق بابل المعلقة بالعراق 600 ق.م، تمثال جوبيتر (زوسر الأوليمبى) باليونان 450 ق.م، تمثال أبولو (عملاق رودس) باليونان 280 ق.م، ضريح هالكارناس بتركيا 350 ق.م، وأخيرا هيكل ديانا بتركيا 450 ق.م، كلها قبل الميلاد واندثرت جميعها وبقى منها أهرامات الجيزة فقط فإذا أعدنا بناء فنار الإسكندرية ستنفرد مصر بأن لديها وحدها اعجوبتين من هذه العجائب السبع قبل الميلاد.
ولكن فى عام 1978 وعلى مائدة غداء بدعوة من المرحوم الدكتور أدهم النقيب طرحت الفكرة على الدكتور فؤاد حلمى محافظ الإسكندرية وقتها وهو استاذ التخطيط العالمى فانفرجت اساريره وبادرنى بتأييد فورى وحماس شديد لها وطلب منى وضع تصوراتى المبدئية لهذه الفكرة وما أن تسلمها حتى شكلت لجنة تتولى عمل دراسات واتخاذ الاجراءات التنفيذية للمشروع وبالفعل اختير موقع نادى اليخت لإقامة هذا المشروع وليضم ضمن مؤسساته ناديا حديثا لليخت بدلا من النادى الحالى وكان يرأسه فى ذلك الوقت الفريق فؤاد أبو ذكرى، وتقرر بناء الفنار على مراحل تبدأ المرحلة الأولى بالدور الأرضى ثم تتوالى الأدوار الاخرى وهكذا طرح هذا المشروع فى مسابقة دولية نشر عنها فى الجرائد المصرية والأجنبية فتقدمت لها 32 مؤسسة مصرية وأجنبية، وكاد المشروع يخرج إلى النور إلا أنه حدث ما لم يكن فى الحسبان إذ انتهت ولاية المرحوم الدكتور فؤاد حلمى وتوقف بالتالى كل الخطوات التى كانت على أهبة التنفيذ ليبدأ رحلة خمود فى أدراج المسئولين من بعده، وما أن تولى اللواء محمد عبد السلام المحجوب قيادة هذه المدينة إلا وعرضت عليه هذا المشروع طالبا منه اجراءات تنفيذه، وقد كانت استجابته فورية وخاصة أن هناك موافقة مسبقة من المجلس الشعبى المحلى بضرورة تنفيذه وقد شكل المحجوب لجنة لهذا الغرض منى ومن اثنين من أساتذة الهندسة لمراجعة الدراسات التى عكفنا عليها عدة أشهر وكادت تخرج إلى عالم النور إلا أننى فوجئت بنفس العوائق التى قابلتنى فى كل مرة لتعطيل هذا المشروع من الذين يهدفون إلى أغراض شخصية خاصة جريا وراء الشهرة والكسب المادى دون مراعاة لقيمة هذا المشروع الأثرية والتاريخية والنظرة العالمية له باعتباره يستهدف إطلاله على تاريخ مجيد لهذه المدينة العريقة، فقد سبق أن حاولت بعض المؤسسات اليونانية والبلجيكية والفرنسية أن تتقدم لإنشاء برج حديدى بشكل مسلة فى منطقة السلسلة ينسبونها إلى الفنار وإنارة طرقها بالليزر ويقومون بإنارة كافة المزارات السياحية بالليزر فى مقابل عدة ملايين من الدولارات تتحملها مصر، كما تقدم المصمم الشهير "بيير كاردان" بفكرة عمل برج زجاجى على شكل مسلة أيضا تحت اسم الفنار مدعيا أنه سوف يتكلف 70 مليون دولار ويفتتح محلات لأنشطته حوله ولكن ظهرت نواياه فى انه سيطرحه بدوره للاكتتاب بسعر 30 دولار للسهم ولا مساهمة مادية له فى المشروع، كما جاء عرض بلجيكى ساذج أيضا لعمل نموذج لفنار على ظهر سفينة تطوف بالميناء الشرقية واعتبار ذلك إعادة لبناء الفنار، وثقة منى واحتراما لما عودنا عليه اللواء المحجوب من قبوله للحوار وسماع الآراء فى كل ما يتعلق بنهضة هذه المدينة فقد كتبت لسيادته مذكرة شارجا فيها لما فى هذه العروض التافهة من تشويه لفكرة إعادة بناء فنار الإسكندرية وتلاعب بالتاريخ، لأن الفنار إذا أردنا إعادة بناؤه فسوف يجرى تقويمه تاريخيا لا فى مصر وحدها ولكن على مستوى العالم الذى يعرف ويهتم بأصوله ورسوماته وتاريخه ولذا يجدر بنا أن نتوخى الدقة الكاملة فى اختيار موقعه وفى شكله وفى رسوماته وتفصيلاته لنقترب تماما مما كان عليه فى الماضى، لأن أى أفكار عشوائية لهذا الأثر التاريخى أو هدفها التجارة فحسب سوف تسئ أكبر اساءة إلى تاريخ هذا الأثر وسوف تثير سخرية العالم الذى ينبهر دائما بسماع تاريخ الفنار أحد عجائب الدنيا السبع، ولدينا ما يكفينا من دراسات قام بها العديد من اساتذتنا الافاضل والمهندسن والتاريخيين موجودة تحت أيدينا وسبق طرحها عالميا وكتبت عنها الجرائد والمجلات وجاءت إذاعات وتلفزيونات العالم لتشيد بها وتحت أيدى كل هذه البحوث التى تستعجلنا فى تنفيذها لتستعيد الإسكندرية عبق تاريخها وكى يعود لها فنارها أحد عجائب الدنيا السبع وكلى ثقة أن اللواء عبد السلام المحجوب قادر أن يحقق حلم الإسكندرية بعودة إحياء فنارها القديم وهذا ما سوف نبدأ العمل به فوراً بإذن الله.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|