




















  
|
 |
 |
البحث عن سيف و أدهم وانلي في النادي الأوليمبي |
|
|
|
رجب سعد السيد
|
|
أتردد على قاعة "سليمان عزت" بالنادي الأوليمبي، بالإسكندرية، منذ ما يزيد عن خمس عشرة سنة؛ وكان أول ما لفت نظري بها أربع لوحات كبيرة، موزَّعة على أركانها؛ وكانت فرحتي غامرة، حين اكتشفت أنها للأخوين "سيف" و "أدهم" " وانلي"؛ إثنتان لسيف والأخريان لأدهم؛ ويعود تاريخ رسمها إلى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين. وأغلب الظن أن يكون الفنانان الأخوان السكندريان قد رسماها خصيصــاً للنادي، وربما كان ذلك بطلب من رئيسه - في ذلك الوقت - قائد البحرية، الفريق سليمان عزت، رحمه الله؛ فاللوحات جميعها عن موضوعات رياضية، فواحدة عن كرة القدم، والأخرى عن التنس، والثالثة عن الملاكمة، والرابعة عن سباق الدراجات. ويمكن قراءة أسلوب كل من الفنانين الأخوين بسهولة في هذه اللوحات، ذات الطبيعة الخاصة، والفريدة، كما نعتقد، في مسيرة هذين الفنانين .. فها هو سيف وانلي يرسم لعبة التنس، فيصور اللاعبين كراقصي باليه؛ كما رسم مباراة كرة قدم، فأضفى عذوبة خاصة تميز لمساته الشاعرية، وأضاف أبعاداً جديدة إلى هذه اللعبة المجنونة، التي لا يفعل المشاركون بها شيئاً سوى ركل الكرة بأقدامهم، ومطاردتها في كل مكان !.
وكنت أشعر، طول الوقت، أن سيف و أدهم في غير مكانهما اللائق بهما؛ فلا أحد يهتم بلوحاتهما الأربع؛ وأكاد أجزم بأن أحداً لم يتوقف ليسأل عن هذه (الرسومات) المعلقة بأركان القاعة المتسعة، فالجميع مشغول بمتابعة أخبار كرة القدم، وفريق النادي متدهور المستوى؛ ولا تسمع بالقاعة إلا مناقشات حامية حول كيفية تدبير أموال (شراء) لاعب مهم، تعلق عليه الآمال الكبار في إنقاذ فريق النادي !
الأكثر من ذلك، أن سحابة من الإهمال غطت اللوحات الأربع، فنسج العنكبوت خيوطه حولها، وطمست الأتربة والرطوبة بعض ملامحها؛ ثم كانت الطامة الكبرى، حين فوجئت، ذات صباح، بإحدى اللوحات وقد تلطَّخت ببقع كبيرة من بقايا كوب شــاي ! .. وعلمت أن أحد المهووسين بكرة القدم قد انفعل في مناقشة حول عدم صحة هدف سجله المنافسون في مرمى النادي، فأخذ يسب حكم المباراة، وأكمل انفعالته بقذف لوحة أدهم وانلي ببقايا كوب شاي كان بيده !.
لم أجد أحداً يهتم بما حدث للوحة؛ بل إنني عندما توجهت إلى مدير النادي، في ذلك الوقت، طالباً التحقيق، أخذ ينظر إليَّ بلا حماس، ولعله كان يستخف بانفعالي لما وقع للوحة. ثم كان أن قابلت رئيس النادي؛ وهو معلق رياضي، يصر على وصف مباريات الكرة باللغة العربية الفصحى، بغرض أن يذبح هذه اللغة في كل كلمة ينطقها ! .. والحقيقة أن الرجل أبدى اهتماماً ملحوظاً، ولكن بعد أن تعمدت أن أوضح له أن هذه اللوحات تمثل ثروةً للنادي، وأن ثمنها يمكن أن يصل إلى مائة ألف جنيه، ولعل النادي يستفيد ببيعها، لحل مشكلة اللاعب المتمرد، الذي يأبى اللعب للنادي إلا بعد حصوله على كامل مستحقاته. وأبديت لرئيس النادي استعدادي للتعاون مع الإدارة من أجل ترميم اللوحات، والعمل على بيعها لوزارة الثقافة؛ فطلب مني أن أكتب مذكرةً بالموضوع، ففعلت، وانتهى الأمر.
وابتعدت عن النادي سنة أو أكثر، وعدت، فلم أجد بالقاعة إلا لوحة واحدة، هي كرة القدم، لسيف وانلي؛ ولما سألت عن اللوحات الثلاث الأخرى، قيل لي أنها بالمخزن، ويجري صيانتها. وخفت من هذه " الصيانة "، فالتعامل مع اللوحات الفنية علم وفن؛ وفي الوقت ذاته، ساورتني الشكوك .. فهل كنت أنا السبب في لفت أنظار " الناهبين " إلى هذه اللوحات ؟ . وحاولت أن أتأكد من وجود اللوحات بالمخزن، فكان لسان حال المسئولين يقول إن هذا ليس من شأني. وقد جعلت هذه الملابسات شكوكي تتزايد.
وقد انتويت أن أثير موضوع اللوحات الأربع في أقرب اجتماع للجمعية العمومية للنادي الأوليمبي؛ ورأيت - إلى أن يحين ذلك الاجتماع - أن أطرح الموضوع على الرأي العام الفني في مصر، لعلني أجد استجابةً، فيتقدم أحد أو جهةٌ لإنقاذ بعض من تراث فني نعتز به، ونحرص على ألا يكون نهباً لمغتصبين، ونتمنى ألا يكون الإهمال قد أضــرَّ به. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|