أمواج تنفرد بإطلالة حرة على فكر وشخص الدكتور محمد عبد اللاه رئيس جامعة الإسكندرية
سر تعويذة الإسكندر مع الدكتور عبد اللاه رئيس جامعة الإسكندرية

أجرى الحوار: رجب سعد السيّد

يبدو أن الإسكندر المقدوني لم يكتف، فقط، بتنفيذ فكرته العبقرية بإنشاء هذه المدينة التي تحمل اسمه، ولكنه هيّــأ لهـا - أيضا - ما يشبه التعويذة، التي تضمن لها تجدد شبابها عبر العصور، فلا ينال الدهر منها. فها هي المدينة - وكان البعض يحسبها فقدت رونقها وترهلت - تعود، مع بداية الألفية الثالثة من تاريخ حضارة البشر، فتسترد عافيتها، وتجري دماء الشباب والجمال في وجهها.
والحقيقة، أن تلك التعويذة لم تكن ضربا من السحر، ولكن نفرا من الرجال المخلصين والمستنيرين، أخذوا على عاتقهم مهمة تخليص المدينة من إهمال طويل، وإعدادها لتزف إلى مشارف القرن الواحد والعشرين.
لقد كان أول من جلس في مقعد رئيس جامعة هذه المدينة هو مؤسسها، رائد التنوير، وعميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين؛ ومن حـظ هذه الجامعة أن يحتل هذا المقعد، في هذه الآونة بالذات، رجل مثل الأستاذ الدكتور محمد عبد اللاه، نشـــأ بين جدران هذه الجامعة، وخبر الحياة العامة في محافل ومنتديات وأحياء المدينة الشعبية، مشاركا في العمل العام، ونائبا للشعب لسنوات طويلة؛ ثم اتسعت دائرة خبراته، واقترب من مركز صنع القرار السياسي، حين شغل موقع رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، لعدة دورات برلمانية متعاقبة. وحتى، حين اختير الرجل لمنصب نائب رئيس الجامعة السابق، وجد بانتظاره مقعد نائب رئيس الجامعة لشؤون البيئة وخدمة المجتمع.
من هنا، كان حرصنا على أن نلتقي بالأستاذ الدكتور محمد عبد اللاه، لننقل له تهنئة أسرة مجلة أمواج باختياره رئيسا لجامعة الإسكندرية ولنفتح معه هذا الحوار ونتعرف على فكر رئيس جامعة الإسكندرية: 

 

دور الجامعة فى المجتمع المدنى:

*سألناه، في البداية، عما إذا كان يحق لنا أن نتوقع، في عهد رئاسته للجامعة، تفعيــلا أكثر للصلة بين الجامعة والمجتمع المدني في الإسكندرية، التي تشهد - حاليا - حالة يقظة قال :
**أحد المهام الأساسية للجامعة أن تؤكد ارتباطها بالمجتمع السكندري. ويهمني أن أشير إلى أن أول اجتماع عقده السيد محافظ الإسكندرية، فور توليه مهامه كمحافظ للمدينة، كان مع مجلس جامعة الإسكندرية. ثم كانت هناك مشاركة كبيرة من خبراء الجامعة، في مجالات كثيرة، وأسهموا في الجهود الكبيرة التي قام بها السيد المحافظ لخدمة الإسكندرية. وأتصور أن هذا من واجبنا؛ فالجامعة هي أهم مؤسسة علمية في هذه المحافظة، وهي تضع إمكاناتها الضخمة في خدمة المجتمع، فهي بمثابة بيت الخبرة الوطني للمحافظة، بل وللمجتمع السكندري كله. وأذكر أن الجامعة قامت، وأنا نائب رئيسها لشؤون البيئة وخدمة المجتمع، بدراسات لبعض مشاكل مدينة برج العرب وغيرها. وهذا شيئ طبيعي، لأنه لن يحدث تقدم حقيقي للمجتمع في مجالات الإنتاج والصناعة والتحديث والتطوير، دون أن يكون للجامعة دورها وبصمتها.

تعاون مثمر بين الجامعة ومكتبة الإسكندرية

*إن الجامعة هي صاحبة مبادرة إحياء مكتبة الإسكندرية القديمة؛ والملاحظ - لدي بعض المراقبين - أن ثمة تباعدا بين جامعة الإسكندرية والمكتبة؛ أو - على الأقل - لا يجري التعاون بينهما بالمستوى المأمول .. فهل لديكم خطط لتقريب المسافات ؟
**أجاب الدكتور عبد اللاه: كان من حكمة رئيس الجمهورية، في قرار تشكيل مجلس أمناء المكتبة، أن عين رئيس الجامعة، بصفته، عضوا في هذا المجلس. ومن جانبنا، فقد شرفنا بوجود مدير مكتبة الإسكندرية عضوا في مجلس الجامعة، كأحد الأعضاء المعينين من الخارج، من أهل الخبرة وبالطبع، فإنني أتصور مكتبة الإسكندرية إضافة كبيرة جدا للإسكندرية، نعتز جميعا بها. وقد كانت الجامعة هي صاحبة الفكرة والمبادرة، والأرض المقامة عليها المكتبة. والمكتبة ليست مجرد مخزن للكتب؛ إنها مستودع، أو دار للحكمة. وهي تيسر أعدادا ضخمة من الكتب لأبنائنا الطلبة، كما أنها إضافة حضارية، ورسالة خاصة، ترد على كل مزاعم الصدام بين الحضـارات. إنها تعكس الحوار، وليس الصدام، بين هذه الحضارات؛ وتوقيتها جاء عبقريا .. فقد استعدناها في وقت نحن أحوج ما نكون إليها. وللمكتبة أنشطتها وفعالياتها الثقافية المتميزة، من ندوات ومؤتمرات، وبعضها علمي ويدور حول علوم المستقبل؛ ونحن حريصون على أن تمثل جامعة الإسكندرية في ذلك كله، بحضور مكثف، وعلى أن تكون رعاية هذه الأنشطة مشتركة بين المكتبة والجامعة. إن إمكانات المكتبة في الانفتاح على العالم كبيرة؛ وأنا أنبه على الشباب من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة أن يشاركوا في فعاليات المكتبة الثقافية، وأن يعتبروا هذا جزءا من عملهم ومهامهم البحثية، إذ يفتح لهم آفاقا جديدة، كما أن لتلك المشاركة مردودها على الجامعة والمجتمع. ومن جانبنا، فإننا لن نتأخر عن تقديم كل دعم لمكتبة الإسكندرية، التي حققت حلم أول رئيس لهذه الجامعة، الدكتور طه حسين، في حديثه عن مستقبل الثقافة، ودعوته إلى أن نتواصل مع ثقافات البحر المتوسط

مشاكل جامعة الإسكندرية

*هل هناك معوقات ومشاكل فى الأداء داخل الجامعة؟
**أجاب رئيس الجامعة: مشاكلنا اعتيادية، أهمها ما أسميه ( الفجوة التمويلية )؛ فالإمكانيات ليست بقدر الطموحات، غير أن ثمة جهدا كبيرا يبذل من أجل التطوير، ومن أجل استيعاب هذه الأعداد الكبيرة من الطلاب؛ وجهود أخرى لمتابعة أمور مهمة، مثل المدن الجامعية. إن كل طالب في المدينة الجامعية يكلف الدولة ما يقرب من 350 جنيها دعما في الشهر الواحد (تغذية ورعاية طبية واجتماعية) والدولة توفر كل هذا للطلبة. وفي عهد الرئيس مبارك، تضاعفت ميزانية التعليم، ككل 36 مرة. صحيح أن الأغلب من هذه الزيادات ذهب إلى التعليم ما قبل الجامعي، إنما التعليم الجامعي تضاعفت ميزانيته أيضا. ونحن ندرك أن مواكبة الطفرات الكبيرة في مجالات البحث العلمي تحتاج إلى تمويل؛ وهنا، تبرز قضية أساسية. لقد سألتني في البداية، ما هو دوركم في تنمية المجتمع. وأنا أسأل : متى نخلق لدي المجتمع الوعي الذي يصنع الطلب على الخدمات العلمية من الجامعة ؟. متي تكتمل الحلقة بين الجامعة وجهات الإنتاج ؟ كما في الغرب إن اكتمال هذه الدائرة هو الذي أدى إلى تقدم الصناعة والتكنولوجيا، وإلى تطوير الجامعات وتحديثهـا، ويفيد منه كل الأطراف.
*وكنا نعلم أننا نتحدث إلى محلل سياسي من الطراز الأول، فلم نستطع مقاومة إغراء سؤال عن أحوال العالم من حولنا .. ماذا يجري في العالم الآن ؟!

رؤية العالم من منظور عبد اللاه

**أجاب الدكتور عبداللاه: إن ما يجري في العالم هو تغيرات ضخمة وجذرية، بدأت إرهاصاتها مع انهيار الاتحاد السوفياتي، ثم تبلورت الآن في نظام القطب الواحد، الذي يعايشه العالم، بكل ما يحمله ذلك من تحديات. هذا، إلى جانب العولمة، التي دخلت في كافة المجالات العلم - الإعلام - الاقتصــاد، لقد أصبح في العالم الآن 3 منظمات حاكمة للاقتصــاد العالمي : منظمة التجارة العالمية - صندوق النقد الدولي - البنك الدولي. إنها تحكم حركة الاقتصاد في العالم، ولا فكاك من التعامل معها، وإلا فإننا نهمّــش، في زمن ثورة المعلومات وثورة التقنيات. لقد انعكس ذلك على العلاقات الدولية، فرأينا محاولات لتهميش الأمم المتحدة، كما حدث في أزمة العراق؛ كما ظهر توجه يقول بأن سيادة الدولة محدودة، بمعنى أن يكون لآخرين حق التدخل، تحت شعارات معينة؛ وكان هذا الأمر يعد، حتى ماض قريب، من الشؤون الداخلية البحتة؛ وهذه مسائل خطيرة .
ويضيف الأستاذ الدكتور محمد عبد اللاه تصويره لحال العالم الآن : " الواقع الحالي يقول بأن من لا يجيد قراءة كل ذلك واستيعابه والتعامل معه، يعـرّض نفسه وبلده لمخاطر ما أنزل الله بها من سلطان؛ وهذا ما حدث بالنسبة للعراق. لا مجال للخطأ في الحسابات؛ وأي خطوة نخطوها يجب أن يكون محسوبا رد فعل الأطراف الأخرى إزاءها. لا مجال للخطوات العشوائية، التي تفتقد للدراسة العلمية. ينبغي ألا تغيب نظرية الاحتمالات، وإلا واجهتك المخاطر".
*وهل فقدت مصر دورهـا كما يردد البعض ؟! 
**وكان الرد جاهزا: هذه مغالطة، بالعكس إن مصر تؤكد دورها. إنها من الدول التي أجادت التعامل مع المتغيرات الدولية، بل كانت سباقة في ذلك؛ ففي المجال الاقتصادي، كنا من أوائل الدول التي أخذت بفكرة الانفتاح الاقتصادي، مع وجود الصبغة الاشتراكية للنظام؛ وقطعت مصر بهذا الخصوص خطوات محسوبة نحو اقتصاديات السوق مع مراعاة البعد الاجتماعي قدر المستطاع. وأذكر في زيارة للصين، أن قال لنا رئيس جمهوريتها أنهم هناك قد تعلموا من التجربة المصرية وطوروها ليطبقوها في الصين، أما على صعيد المعطيات الدولية، فكانت نفس الإجادة في التعامل مع المتغيرات. لقد كانت هناك محاولات للتعرض لاستقلالية الرأي المصري. وأقولها بصراحة، إن تعارض الرؤية المصرية مع رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لا يجب أن يؤدي إلى صدام، أو أن يتوقف الحوار. إن المنطلق الأمريكي يأتي من أننا قوة إقليمية، لنا مصالحنا الإقليمية؛ والولايات المتحدة الأمريكية - بالوقت ذاته - هي القوة الدولية الوحيدة، وهي تنظر للأمور بنظرة أشمل، من وجهة النظر الأمريكية. فهذه المنطقة هي جزء من ملعب كبير، هم يلعبون فيه؛ وأنت قلب هذا الملعب .. أنت في مربع القلب منه؛ ومن ثم، يأتي التعارض في الرؤية والفكر. غير أن هذا لا يجب أن يثنينا عن استمرارية الحوار؛ فبدون الحوار ومحاولات الإقناع، تترك الساحة فارغة لأطراف أخرى، تجيد استغلال هذا الفراغ، وهذه الساحة ! ".

العمل العام مدرسة لابد من التعلم منها

*رأينا، بعد هذه الإطلالة على الفكر الإداري والسياسي للدكتور محمد عبد اللاه، أن ننتقل معه إلى عالمه الخاص؛ سألناه: لدينا "محمد عبد اللاه الأستاذ الأكاديمي"، و"محمد عبد اللاه نائب الشعب"، و "محمد عبد اللاه رئيس الجامعة".. كيف تسيطر على العلاقة بين هؤلاء جميعا؟!.
**أجاب: بداية، فأنا لا أجد تعارضا بين هذه الأدوار المختلفة. لقد كان تخصصي الأكاديمي أقرب إلى العمل العام والسياسي؛ فتخصصي الدقيق هو الاقتصاد العام، يعني المالية العامة، يعني الضرائب، يعني الإنفاق العام، ويعني أيضا حقوق المواطن. مسائل متصلة بصميم الحياة اليومية للمواطنين. وإنك، إذا رجعت إلى تاريخ البرلمانات، تجد أن البرلمان الإنجليزي، مثلا، قد قام أساسا على الضرائب : " لا ضريبة دون تمثيل ". ففكرة الحياة النيابية بدأت على أساس أن الدولة لا تفرض ضرائب دون أن يكون هناك تمثيل شعبي يوافق عليها، ثم إن أستاذ الجامعة، بحكم عمله، خصوصا في الكليات ذات الكثافة الطلابية الكبيرة، مثل الكلية التي أشرف بالانتماء إليها، هو - من أول يوم يمارس فيه عمله - في عمل شعبي !. إنه يدخل مدرجا به 1200 - 1500 طالبا؛ أليس هذا مؤتمرا شعبيا ضخما؟. إنني أتصور العمل الشعبي مسألة استعداد شخصي، يتم صقله بالممارسة الطويلة المستمرة وإن المرء، إن قيّـم نفسه، بعد 29 سنة من العمل العام والسياسي، ير أنه أصبح يفكر بطريقة مختلفة؛ فالعمل العام مدرسة، تجعلك تدخل في صميم مشاكل المجتمع..
*ولكن هل تعلمت من الشارع المصري ؟
** بلا تردد، أجاب: نعم، تعلمت الكثير. تعلمت ألا أفكر من منطلق الغرف المغلقة، وألا أعتمد على الخلفية النظرية فقط، وإنما يجب أن تستخدم ما لديك من نظريات، وتطوعه للمساهمة في حل مشاكل المجتمع. بذلك، يتحقق التفاعل لكيمياء العمل العام ويحدث ما يمكن تسميته بالتناغم بين النظرية والعمل الشعبي. والحقيقة، أنه ليس ثمة تعارضا، خاصة إذا كنت بدأت بعمل شعبي حقيقي، وليس بمنطق ( الإنزال بالباراشوت )!. إنني أعتبر العمل الشعبي مدرسة رائعة، تتيح لك التعامل مع مختلف المستويات الثقافية والعمرية والاجتماعية.
أما عن رئيس الجامعة، فهو منصب إداري، أكاديمي، سياسي. إنني أدير مؤسسة ضخمة، بفكر أكاديمي. والمطلوب أن أطور السلع والخدمات الأكاديمية، وأن أتعامل مع 150 ألف طالب، وما يقرب من 7 آلاف عضو هيئة تدريس، وأن أدمج ذلك كله في (سيمفونية)، وهذا الجانب يحتاج إلى خبرة سياسية. ثم إن أمامنا هدف الانفتاح على العالم؛ وقد شاء القدر لي أن أرأس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب أمدا طويلا، وقد يساعدنا ذلك في تحقيق هذا الهدف.

التلقائية والموسيقى والفن التشكيلى عند عبد اللاه

*لا حظنا أن مفردات أحاديثك في وسائل الإعلام توحي بأن ثمة حسا خاصا باللغة، فهل هناك اهتمامات أدبية لا نعرفها ؟! 
** أنا شديد العشق للفن، وفي المقام الأول، فنون الأدب؛ دون أن أدعي بأنني موهوب؛ فأنا لم أمارس الإبداع؛ ولكني قادر على تذوقه، وبعمق. أحب أن أقرأ الكتابات الجيدة، مرة واثنتين وثلاثة. أحب الموسيقى، والفن التشكيلي، وأقدّر هذا كله. وأنا لا أقرأ إلا وفي يدي قلم، إذ أحب أن أضع ملاحظات في الهوامش، وأخط سطورا تحت عبارات أجدها معبرة. كما أنني، في أحاديثي، لا أعد للحوارات مسبقا، ولا أحب أن أعرف الأسئلة مقدما، فقط أطلب أن أعرف موضوع الحديث؛ فأنا أؤمن بالتلقائية !. إنها هي التي تصل إلى القلب؛ وهي تظهر، حتى، في ردود فعلي في تعاملاتي اليومية مع الزملاء؛ فأنا لا أخفي، ولكن تظهر عليّ علامات تقديري لعمل ما، أو استيائي لوضع معين.
*برغم معايشتك لدروب السياسة والديبلوماسية ؟!
**إن هذه الدروب تؤثر عليك باتجاه آخر .. إنها تعلمك كبف تتعامل مع وضع أنت غير راض عنه، بصيغة توضح هذا، دون أن تثير مشكلة؛ والمثال على ذلك: هناك فارق بين أن تقول لفرد ما إنك لم تستوعب وجهة نظري، وأن تصارحه بأنه (لم يفهم). إن الغرض واحد، ولكن الأسلوب يختلف.

 

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان