




















  
|
 |
 |
تأملات أدبية:
طائر الحب المغنّى
فى نقوش على بوابة الحُب
|
|
|
 |
|
بقلم/ جابر بسيونى |
يضم ديوان "نقوش على بوابة الحب" للشاعر السكندرى الكبير محمد مكيوى ثلاثا وعشرين قصيدة كتبت باللهجة العامية المصرية، وتدور كلها فى دائرة الحب -بمعناه الانسانى النبيل- وقد التزم فى صياغتها بالمونولوج الخارجى -فى كل القصائد- فبدا وكأنه طائر حُب يغنى فى سماء الكون.
والحب فى هذا الديوان ينطلق من اعتبارين:
الأول: السمات الشخصية للشاعر/ من حيث سنٍّه الناضجة التى عبرت مراحل الشباب واندفاعه وأحلامه الوردية إلى مرحلة الحكمة والتدّبر والنظرة الواعية المتأنية.
والثانى: نشأة الشاعر وتربيته/ فلقد نشأ فى أسرة متدينة صوفية النزعة طبعت نفسه بطابع التسامح والمحبة، وإيثار الغير على النفس، ورؤية الأشياء -من حوله- جميلة هادئة، إذن -فهو دائماً- فى حالة تصالح وتصافح مع المخلوقات، ومؤمن بقدرة الخالق -سبحانه وتعالى- ومسبح بآلائه.
ويظهر ذلك لا من خلال مضامين قصائده -وحسب- بل من اختيار وتشكيل مفرداته وألفاظه.
ولك أن تتأمل المحصول اللفظى بهذا الديوان وستجد أنّك أمام حديقة غنّاء بأحلى وأسمى الكلمات، التى استطاع أن يوظفها توظيفاً مُحكماً يقدم للقارئ ما يريد من معانٍ ومقاصد محددة لا لبس فيها ولا شطط.
ومن هذه الألفاظ التى اكتظ بها الديوان -على سبيل المثال لا الحصر- دهب-الجمال-الحب- نجاح- الخبة- قلبى-شاعر- عصفور- يغنى- صوفى- محبة- نهر- صديقة- نور- فارس- شجرة- ساجد- رب الكون- ملك الله- بحبك- سن الحكمة-الماضى- عمرى الجاى- عود أخضر- بستان النور- سنِّى- سنِّك- شباب اليوم- شباب الأمس- أجيال.
ولا شك أن اجتماع كل هذه المفردات لهو أكبر دليل على صفاء نفس الشاعر، وتصالحه مع كل الأشياء، وتفاؤله، وميله الدائم إلى السلم والأمان وطريقه إلى كل ذلك هو الحُبِّ
وهذا هو المقصد من ديوان "نقوش على بوابة الحب"، ولقد نجح الشاعر فى تحديد ذلك أمام القارئ من أول وهلة بقوله:
"مش ممكن أبدا
شاعر ينظم
أشعار م القلب
من غير ما يحب
مش ممكن..
صوت عصفور يغنى ويطرب
من غير ما يحب
مش ممكن..
صوفى فى معبد
يتعبد
وعبادته صحيحه
من غير ما يحب"
ويعبر عن حبه لأرضه ووطنه فى أكثر من موضع من مواضع الديوان وفى قصيدة أيوه باحبك يقول:
"افتحى طاقة قدْر لقلبى
افتحى بابك
كل مرادى اكون فى بلاطك فارس
فارس..
هوّ الفارس إيه غير انه
صاحب مبدأ
مخلص جدا
وانا وكلامى وقلمى وشعرى
رغم الشوق الفايض بيّه..
راسم خط حدودى معاكى.."
وما أجمل تعبير الشاعر .. "كل مرادى أكون ف بلاطك فارس"، فهو هنا يقدم التزامه تجاه وطنه قبل حقه، ونجح فى تقديم صورة طيبة لنفسه تجاه أرضه وبلده.. وأكدّ ذلك فى قصيدة "قصيدة حُب" بقوله:
"با احبك والهوى مكتوب
باحبك توب يدفينى
وف الأفراح تهنينى
وف الأحزان تضمينى"
إلى قوله:
"أحبك لمّه فى البرجاس
وأهل وناس
تصوم رمضان
تصلى الفجر والتراويح
وتقرا الورد والقرآن
واحبك أب ف كنيسة
يقول موعظته م الإنجيل
واحبك نيل"
وهنا يتجلى حبه لوطنه فى كل الصور ويمتد هذا الحُب ليشمل أمن وأمان هذا الوطن من خلال الوحدة الوطنية المطمئنة، وهو يبارك الأب فى الكنيسة "يقول موعظته م الإنجيل" كما يبارك الناس "تصوم رمضان وتصلى الفجر والتراويح وتقرا الورد والقرآن".
ولا يفوت الشاعر أن يؤكد على قيمة أبناء هذا الوطن المبدعين -علماء وفنانين- وأثرهم الطيب فى الأجيال، ونراه يذكر فى نفس القصيدة السالفة "أحبك شعر من شوقى.. ومن بيرم.. وعود سيّد.. وصوت رفعت .. وغنوة عشق من ثومة.. أحبك كلمة من العقاد.. وطه حسين.. وتوفيق الحكيم.. ونجيب.. احبك نصر أكتوبر"
وينتقل بنا الشاعر إلى صورة أخرى من صور الحب فى هذا الديوان وهى حب العبد لله- تعالى
ولك أن تقف أمام ملامح هذا الحب الذى أصفه بالحب الصوفى، لأن الشاعر استطاع أن يسمو به فوق أغراض الدنيا وذنوبها، وأن يقترب من روحانية الانسان أى أنه يعلو من المستوى الترابى إلى المستوى السحابى، أى من المادية إلى الروحانية، لا بالزهد ولكن بالسلوك الانسانى السمح الآمن المُحب.
وها هو يقول:
" مش ممكن
صوفى ف معبد
يتعبّد
وعبادته صحيحة
من غير ما يحب"
وأيضاً فى قصيدة "يا سيدتى صباح الخير"
ولما تبص ف مرايتك
خطوط الفتنة تتجسم
كنوز الدنيا تتبسم
عيون الحب تندهلك
ونبض القلب يشتاقلك
مع دقاته بيسمى وبيكبر
أقوم من حلمى.. أتوضأ
فى محرابى أصلى الصبح
وأدعى المولى يحميكى
يا سيدتى.. يا ست الحسن.. صباح الخير"
وأيضا فى قصيده حكاية شهريار:
"وباعشقك
أصل أنت حبك
حب صوفى فى معبده
هو اللى نور دنيتى"
ويبدو هذا المعنى بوضوح فى قصيدته "آدم" وهى التى تمثل الصراع بين مادية الإنسان وروحانياته، وفيها الشاعر يعترف بعجزه عن الوصول إلى مرتبة الأنبياء مثل يوسف ولكنه يستطيع أن ينل من إغراء الدنيا وماديتها بالصبر واللجوء إلى الله أسوته فى ذلك أيوب فى الصبر على البلاء:
"أنا آدم
ما تنسيش
أنا عبد لأحاسيس
أنا مطرود من الجنة
وباغنى
أعود تانى
ونقطة ضعفى فى قلبى
ما نيش يوسف
ولا يمكن أكون يوسف
ولا انتى مريم العذرا
لكن أقدر أكون أيوب
وأعود تانى لمحرابى"
***
وننتقل الآن إلى صورة أخرى من صور الحب فى هذا الديوان والتى تعتبر هى المقصد الأساسى بل وبؤرته الإبداعية وهى حب الرجل للمرأة ولكن العلاقة فى هذا المكان لا تستقيم وهى علاقة بين طرفين متناقضين جمعهما الحب غصبا لا اختياراً فلا مفر من اعتراف الشاعر به ولكنه لم ينس سماته الشخصية وسنِّه المتقدمة الناضجة التى ترسو على شط الحكمة وتكبح جماح العزيزة المادية بالاحتكام إلى العقل والتروى والرأى الرشيد. وتأمل قوله فى قصيدة سوناتا:
"دَفْ سن الحكمة
الحب عنيف ومخيف
بيهز القلب
زى الغصن وقت خريف
وشبابك بالنسبة لى
نسمة صيف
لون الطيف
وأنا عمرى الماضى حسدنى
على عمرى الجاى معاكى
يا ملاكى
وبدون تلميح
أنا واضح جدا وصريح
وغنايا وشعرى
وعرايس فكرى
بتعبر عنى
عن جوايا وذاتى
وانتى بالنسبة لى
عود أخضر.. فى بستان النور"
وتأمل قصيدته "لحظة المجهول" :
رغم سنِّى
ورغم سنِّك
إلا إنّك
جيتى حطمتى المسافة
اللى ما بينى وبينك
يا فينوس العصر
يا ملكة جمال الروح"
إلى قوله بنفس القصيدة:
"إنما هى قدر
والقدر مشاوير مرسومة فى خطانا"
وتأمل أيضاً قوله فى قصيدة "أنا باعترف":
"تصورى إن الزمن
اللى جمعنا بحكمته
قال كلمته
الرحلة تبدأ من هنا
وانتى وأنا
زمنين بيختلفوا تمام
لكننا رغم السنين
جسدين فى روح
ما تصدقيش الصدفة صنعت حبنا
إحنا بشر
والحب يا حبيبى قدر
ولأن سنّى بيسبقك
وباعشقك
أنا برضه خايف
ما عرفش ليه؟!"
وتأمل قوله بنفس القصيدة:
"وف حضن أحلام الحياة
مع ملحمة عمر الزمن
أنا باعترف
إنى باحب"
ومهما نقدم من نماذج جاءت بالديوان يتضح لنا أن الشاعر يرى أن الحب قدر وأن الزمن قد قال كلمته بشأن هذه العلاقة بين عودٍِ أخضر فى بستان النور وبين سرّ الحكمة الذى يرى فى شباب هذا العود الأخضر أنه بالنسبة له نَسمة صيف ولون طيف ولكنهما -رغم اختلاف السنين- جسدان فى روح وليس روحاً فى جسدين.
وهنا يرى الشاعر أن روح الحب توحد الأجساد وتمحو الأزمنة ولكنه رغم كل ذلك يخاف ولا يدرى لماذا والخوف هنا ظاهرة نفسية طبيعية ولكونه شاعراًَ فهو يرى أن فى الحب الملاذ والربيع الجديد:
"ولأنى شاعر
مليان مشاعر
ألحان شفايفك تترسم
ونكتب أحلا القصايد ع الورق
يتوزع الحب الكبير
يبدر مطر
يطرح ربيع"
وخوف الشاعر وإن كان مرجعه الحالة النفسية إلا أن الشاعر يلوذ معه دائماً بالحب الذى يستطيع أن يعيد الربيع وتأمل قوله فى قصيدته "نقطة فى بحر الأحزان":
"الشجرة سقطت أوراقها
وخريف العمر بيسبقها
وقطار الرحلة ما هوش راجع
والصحبة اتفود عشاقها"
و.. "يا ربيع حاتفوت غصبن عنِّى
سنك راح يضحك من سنِّى
بالحُب اللى ف قلبى ح أقولك
بالكلمة وبالشعر ح اغنى"
والشاعر فيما سبق قد أحب وعفّ وسما، وإنما للحب كلمتُه وقدرته التى بها يستطيع أن يُطل من المشاعر، وتفضحه العيون وما أجمل هذا الشاعر الذى تحصن من سطوة الحب بالأشعار فأودعها سرَّه، وهمس إليها بالأمل الجرئ والقصد البرئ، فكانت نقوشاً على بوابة الحُب. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|