|
خص الله عز وجل شهر رمضان بالكثير من الخصائص والفضائل ، فهو شهر نزول القرآن والكتب السماوية ،
قال تعالى:{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان } ( البقرة 185) ، وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان ) رواه أحمد .
وهو شهر التوبة والمغفرة ، وتكفير الذنوب والسيئات ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) رواه مسلم ، من صامه وقامه إيماناً بموعود الله ، واحتساباً للأجر والثواب عند الله ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه ) ، وقال : ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال : ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
ومن أدركه فلم يُغفر له فقد رغم أنفه وأبعده الله ، بذلك دعا عليه جبريل عليه السلام ، وأمَّن على تلك الدعوة نبينا صلى الله عليه وسلم ، فما ظنك بدعوة من أفضل ملائكة الله ، يؤمّن عليها خير خلق الله.
وهو شهر العتق من النار ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه : قال صلى الله عليه وسلم : ( وينادي مناد : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) رواه الترمذي.
وفيه تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران ، وتصفد الشياطين ، ففي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين ) ، وفي لفظ ( وسلسلت الشياطين ) ، أي أنهم يجعلون في الأصفاد والسلاسل، فلا يصلون في رمضان إلى ما كانوا يصلون إليه في غيره.
وهو شهر الصبر، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات كما يتجلى في الصوم، ففيه يحبس المسلم نفسه عن شهواتها ومحبوباتها ، ولهذا كان الصوم نصف الصبر، وجزاء الصبر الجنة قال تعالى : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر 10).
وهو شهر الدعاء المستجاب ، قال تعالى عقيب آيات الصيام : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ( البقرة 186) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ، ودعوة المظلوم ) رواه أحمد.
وهو شهر الجود والإحسان ولذا كان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في شهر رمضان.
وهو شهر ليلة القدر ، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل ألف شهر ، والمحروم من حرم خيرها ، روى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال : دخل رمضان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الشهر قد حضركم ، وفيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرمها فقد حرم الخير كله ، ولا يحرم خيرها إلا محروم ) .
هذه بعض فضائل هذا الشهر الكريم ، وغيرها كثير لم يذكر ، فحري بالمسلم أن يعرف له حقه , وأن يقدره حق قدره ، وأن يغتنم أيامه ولياليه ، عسى أن يفوز برضوان الله ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .
فضل الصيام
الصيام عبادة عظيمة من أجل العبادات والأعمال ، وقد وردت في فضلها الكثير من النصوص التي تبين أجر هذه العبادة ، وما أعده الله للصائمين ، وتحث المسلم على الاستكثار منها ، وتهون عليه ما قد يجده من عناء ومشقة .
ومن هذه الفضائل :أن الصيام جُنَّة - أي وقاية وستر - فهو يقي العبد من النار ، وفي الحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الصوم جنة يستجن بها العبد من النار ) رواه أحمد .
وهو يقي العبد من الشهوات ، فقد أرشد عليه الصلاة والسلام الشباب الذين لا يستطيعون الزواج ، أن يستعينوا بالصوم للتخفيف من حدة الشهوة ، لأن الصوم يضعف الشهوة ويقطعها ، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) متفق عليه .
ويقيه كذلك من اللغو والرفث ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ) متفق عليه .
والصوم سبيل إلى الجنة ، فقد روى النسائي عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله ، مرني بأمر ينفعني الله به ، قال : ( عليك بالصوم فإنه لا مثل له ) ، فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا شيء مثل الصوم يقرب العبد من ربه جل وعلا ، بل أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أن في الجنة باباً خاصاً بالصائمين لا يدخله غيرهم ، ففي الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في الجنة بابا يقال له الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد ) .
والصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة ، فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفعني فيه ، قال فيُشَفَّعان ) .
فضل الصدقة
هذا المال الذي بين أيدينا هو في الحقيقة مال الله عز وجل ، استخلف فيه عباده لينظر كيف يعملون ، وسيسألهم عنه إذا قدموا عليه ، من أين اكتسبوه ؟
وفيمَ أنفقوه ؟ فمن جمعه من حله ، وصرفه في طاعة الله ومرضاته مبتغيا في ذلك وجهه سبحانه ، فقد فاز وأفلح ، ومن جمعه من حرام ، أوصرفه فيما يسخط الله ، فقد باء بالخسران، واستحق العقاب ، إلا أن يتغمده الله برحمته
من أجل ذلك جاءت النصوص الكثيرة التي تبين فضائل الصدقة والإنفاق في سبيل الله ، وتحث المسلم على البذل والعطاء ابتغاء الأجر من الله عز وجل .
فقد جعل الله الإنفاق على السائل والمحروم من أخص صفات عباد الله المحسنين ، فقال عنهم : { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار هم يستغفرون ، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } ( الذاريات 16-19) ، ووعد سبحانه - وهو الجواد الكريم الذي لا يخلف الميعاد – بالإخلاف على من أنفق فقال سبحانه : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } ( سبأ 39) ، وضاعف العطية للمنفقين بأعظم مما أنفقوا أضعافاً كثيرة في الدنيا والآخرة فقال سبحانه : { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } ( البقرة 245) .
والصدقة من أبواب الخير العظيمة ، ومن أنواع الجهاد المتعددة ، بل إن الجهاد بالمال مقدم على الجهاد بالنفس في جميع الآيات التي ورد فيها ذكر الجهاد إلا في موضع واحد ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ) رواه أبو داود .
وفي السنة من الأحاديث المرغبة في الصدقة ، والمبينة لثوابها وأجرها ، ما تقر به أعين المؤمنين ، وتهنأ به نفوس المتصدقين ، ومن ذلك أنها من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل ، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن ، تكشف عنه كرباً ، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً ) ، رواه البيهقي ، وحسنه الألباني .
والصدقة ترفع صاحبها ، حتى توصله أعلى المنازل ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ، ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل... ) رواه الترمذي .
وهي تدفع عن صاحبها المصائب والبلايا ، وتنجيه من الكروب والشدائد ، قال صلى الله عليه وسلم : ( صنائع المعروف تقي مصارع السوء و الآفات و الهلكات ، و أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ) رواه الحاكم وصححه الألباني .
وجاء في السنة عظم أجر الصدقة ، ومضاعفة ثوابها ، قال صلى الله عليه وسلم : (ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كان تمرة ، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل ، كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله) رواه مسلم .
والصدقة تطفئ الخطايا ، وتكفر الذنوب والسيئات ، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ) رواه الترمذي .
وهي من أعظم أسباب بركة المال ، وزيادة الرزق ، وإخلاف الله على صاحبها بما هو أحسن، قال جل وعلا في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم أَنفقْ أُنفقْ عليك)، رواه مسلم.
كما أنها وقاية من عذاب الله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) رواه البخاري .
وهي دليل على صدق الإيمان ، وقوة اليقين ، وحسن الظن برب العالمين ، إلى غير ذلك من الفضائل الكثيرة ، التي تجعل المؤمن يتطلع إلى الأجر والثواب من الله ، ويستعلي على وعد الشيطان الذي يخوفه الفقر، ويزين له الشح والبخل ، وصدق الله إذ يقول: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم} (البقرة 268)
فضل قيام الليل
قيام الليل من أفضل الطاعات ، وأجل القربات ، وهو سنة في سائر أوقات العام ، ويتأكد في شهر رمضان المبارك ، وقد جاءت النصوص من الكتاب والسنة بالحث عليه ، والترغيب فيه, وبيان عظيم شأنه وثوابه عند الله عز وجل.
فقد مدح الله أهل الإيمان , بجملة من الخصال والأعمال ، ومن أخص هذه الأعمال قيامهم الليل , قال تعالى:{ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } ( السجدة 15-17 ) ، ووصف عباد الرحمن بقوله:{ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً } ( الفرقان 64 )، ووصف المتقين بكثرة صلاتهم بالليل ، واستغفارهم بالأسحار فقال سبحانه:{ إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون } ( الذاريات 15) ، ولِما لصلاة الليل من شأن عظيم في تثبيت الإيمان , والقيام بالأعمال الجليلة ، وتحمل أعباء الدعوة وتكاليفها ، فقد أمر الله بها نبيه عليه الصلاة والسلام فقال:{ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً } إلى أن قال : { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً } ( المزمل 1-6) .
وجاء ت في السنة أحاديث كثيرة تبين فضائل هذه الصلاة ، ومن ذلك أن قيام الليل شعار الصالحين في جميع الأمم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بقيام الليل , فإنه دأب الصالحين قبلكم , وقربة لكم إلى ربكم , ومكفرة للسيئات , ومنهاة عن الإثم ) أخرجه الحاكم .
وهي أفضل صلاة بعد الفريضة ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل ) ، وقال : ( أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر , فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ) رواه الترمذي .
وهي من أعظم أسباب إجابة الدعاء , والفوز بالمطلوب ، ومغفرة الذنوب ، فقد روى أبوداود عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي الليل أسمع ؟ قال : (جوف الليل الآخر ، فصلِّ ما شئت , فإن الصلاة مشهودة مكتوبة ) ، وقال كما في صحيح مسلم : ( إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه ) .
وصلاة الليل من موجبات دخول الجنة ، وبلوغ الدرجات العالية فيها ، فقد روى الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجنة غرفا , يرى ظاهرها من باطنها , وباطنها من ظاهرها , أعدها الله لمن ألان الكلام , وأطعم الطعام , وتابع الصيام , وصلى بالليل والناس نيام ) .
فاحرص أخي المسلم على أن يكون لك ورد من صلاة الليل ، ولو قليلاً بالقدر الذي ينفي عنك صفة الغفلة فقد قال صلى الله عليه وسلم كما عند أبي داود : ( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ) ، واحرص على صلاة التراويح في هذا الشهر الكريم ، ولا تنصرف حتى ينصرف الإمام ، ليحصل لك أجر قيام الليل كله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) رواه الترمذي .
نسأل الله أن يتقبل منا الصيام والقيام ، وأن يوفقنا لطاعته في سائر الأيام وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
فضل العشر الأواخر وليلة القدر
يقول الله تبارك وتعالى : { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة } (القصص 68) ، وقد اختار سبحانه العشر الأواخر من شهر من رمضان ، من بين سائر أيام الشهر ، وخصها بمزيد من الفضل وعظيم الأجر
فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها ، تقول عائشة رضي الله عنها:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ) رواه مسلم.
وكان يحيي فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن ، تقول عائشة رضي الله عنها : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل ، وأيقظ أهله ، وجَدَّ وشد المئزر ) رواه مسلم .
فكان يوقظ أهله في هذه الليالي للصلاة والذكر ، حرصا على اغتنامها بما هي جديرة به من العبادة ، قال ابن رجب : " ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه " .
وشد المئزر هو كناية عن ترك الجماع واعتزال النساء ، والجد والاجتهاد .
وداوم صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف فيها حتى قبض ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده ) .
وما ذلك إلا تفرغاً للعبادة ، وقطعاً للشواغل والصوارف ، وتحرياً لليلة القدر ، هذه الليلة الشريفة المباركة ، التي جعل الله العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر ، فقال سبحانه: { ليلة القدر خير من ألف شهر} ( القدر 3) .
في هذه الليلة تقدر مقادير الخلائق على مدار العام ، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والسعداء والأشقياء ، والآجال والأرزاق ، قال تعالى:{ فيها يفرق كل أمر حكيم} (الدخان).
وقد أخفى الله عز وجل علمها عن العباد ، ليكثروا من العبادة ، وليجتهدوا في العمل ، فيظهر من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها ، من العاجز المفرط ، فإن من حرص على شيء جد في طلبه ، وهان عليه ما يلقاه من تعب في سبيل الوصول إليه .
هذه الليلة العظيمة يستحب تحريها في العشر الأواخر من رمضان ، وهي في الأوتار أرجى وآكد ، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ، ليلة القدر في تاسعة تبقى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى ) ، وهي في السبع الأواخر أرجى من غيرها ، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر ، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ) رواه البخاري .
وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ) رواه أبو داود .
فاحرص أخي المسلم على الاقتداء بنبيك صلى الله عليه وسلم ، واجتهد في هذه الأيام والليالي ، وتعرض لنفحات الرب الكريم المتفضل ، عسى أن تصيبك نفحة من نفحاته لا تشقى بعدها أبداً ، وأكثر من الدعاء والتضرع ، وخصوصاً الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قالت : يا رسول الله ، أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ، ما أقول فيها ؟ قال : ( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ) رواه أحمد وغيره .
اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتساباً ، واجعلنا فيها من المقبولين الفائزين ، برحمتك يا أرحم الراحمين
مفسدات الصوم
من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم ديناً يضبط سلوكهم ويزكي نفوسهم، فأنزل كتابا مبيناً، وأرسل رسولاً أميناً، فبشر وأنذر، ووعد وحذر
وجاء بشريعة الله تعالى التي تضمنت الحلال والحرام، حيث أمرت بواجبات، وزجرت عن منهيِّات، كل ذلك بما يصلح الفرد والمجتمع { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14) وأحكامه سبحانه وتعالى منها ما هو واجب ومندوب، ومنها ما هو حرام ومكروه ، ومن الحرام ما هو مفسد للعبادة ومنها ما ليس بمفسد، ولما تكلمنا في هذا المحور عن واجبات الصوم كان من المناسب أن نتكلم عن مفسداته
فإليك أخي الصائم مفسدات الصوم التي يجب أن تجتنبها ليكون صومك صحيحاً مقبولاً إن شاء الله تعالى:
أولاً : الجماع:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت قال ، وما أهلكك؟ قال وقعت على امرأتي في رمضان ...) وفى الحديث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة فدل ذلك على أن الجماع مفسد من مفسدات الصوم، وهذا محل إجماع بين العلماء
ثانياً : الأكل والشرب:
يحرم على الصائم الأكل والشرب في نهار رمضان، فإذا أكل فسد صيامه لقوله تعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل...}
و المعنى أنه إذا طلع الفجر أمسك الصائم عن الطعام والشراب حتى غروب الشمس، وقد أجمع العلماء على أن الأكل والشرب في نهار رمضان من مفسدات الصوم
بعض الأحكام المهمة المتعلقة بصوم رمضان
أخي الصائم بعد أن عرفت حكم الصيام ومفسداته ، هلم بنا نحو بعض الأحكام المهمة المتعلقة بصوم رمضان ، من حيث ما يحرم فعله وما يسن وما يكره ؛ وذلك من أجل أن تحافظ على صومك من كل شئٍ يخدشه ويؤثر فيه وينقص أجره وثوابه
إن شرعنا الحنيف منع أتباعه من أمور صيانة لهم ورحمة بهم ، فمما حرم على المسلمين عامة وعلىالصائمين خاصة ، الغيبة والنميمة والكذب والعمل به ، والسفه والعدوان ، كما قال– صلى الله عليه وسلم- (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) رواه البخاري . وقال –صلى الله عليه وسلم- : (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذٍ ولا يجهل) رواه الإمام أحمد و ابن ماجه وصححه الألباني ، والرفث هو : الكلام الفاحش ، قال الإمام أحمد – رحمه الله - : ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ، ولا يماري ، ويصون صومه ، كانوا إذا صاموا ، قعدوا في المساجد ، وقالوا . نحفظ صومنا ، ولا نغتاب أحداً .
كما يحرم على الصائم تقبيل الزوجة إن ظن إنزال مني ، أو أن يتدرج به الأمر إلى الجماع .
فهذا طرف مما يحرم على الصائم ، أما ما يستحب له فمنه : كثرة قراءة القرآن ، وذكرالله –عز وجل- ، وبذل الصدقة للمحتاجين من الفقراء والمساكين ، والرد الحسن لمن شتمه أو سبه ، كما قال صلى الله عليه وسلم ( فان سابًه أحد أو قاتله أحد فليقل إني امرؤ صائم ) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني .
كما يسن للصائم السحور ، للحديث (تسحروا فإن في السحوربركة) رواه البخاري و مسلم ، وتأخير السحور مستحب أيضاً ، لقول زيد بن ثابت : (تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قمنا إلى الصلاة) متفق عليه .
ويستحب الفطر على رطب فإن لم يجد الرطب فعلى تمر ، فإن لم يجد فـعلى ماء ، لحديث أنس رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه الترمذي ، كما يستحب للصائم تعجيل الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم : (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ) متفق عليه .
ويسن للصائم الدعاء عند فطره ، ومما ورد : (ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى) أخرجه أبو داود .
أما ما يكره للصائم ، فمنه تذوق الطعام بلا حاجة ولا عذر؛ لما فيه من تعريض الصوم للفساد ، وأما إن احتاج لتذوق الطعام فلا بأس .
وينبغي للصائم أن يعرف جملة من أحكام القضاء ، فمن أفطر أياماً من رمضان لعذر شرعي فإنه يلزمه قضاؤه لقوله تعالى : }ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخ{ (البقرة:185) .
ويستحب أن يسارع في قضاء ما أفطره لعذر من رمضان ، لأن ذلك أبرأ لذمة العبد ، لكن يجوز له تأخير القضاء ، كما قالت عائشة رضي الله عنها (كان يكون علي الصوم من رمضان ، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان ، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم) متفق عليه ، لكن يجب عليه الانتهاء من صيام ما عليه من أيام قبل دخول رمضان الثاني.
ومن أفطر أياماً من رمضان لعذر كمرض مثلاً واستمر عذره حتى مات فلا شيْ عليه ، لأن الله تعالى أوجب عليه عدة من أيام أخر ، وهو لم يتمكن من القضاء لاستمرار العذر فلا شيْ عليه ، أما من تمكن من القضاء فلم يقض حتى مات ، فإن لوليه أن يصوم عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم، والولي هو وارثه أو قريبه.
ويجوز للمسلم أن يصوم التطوع قبل أن يقضي ما عليه من رمضان وإن كان الأولى أن يبدأ بالقضاء.
فانتبه أخي الصائم بارك الله فيك، واجتنب المحرم والمكروه، واعتنِ بالمسنون والمندوب، ففي ذلك صيانة للصوم، وزيادة في الأجر، واحرص على قضاء ما فاتك من أيام الصيام، فهو أبرأ للذمة ، وأسرع في الأجر.
زكاة الفطر
شُرعت العبادة في الإسلام لحكم عظيمة ، وفوائد جليلة ، قد يبدو بعضها ظاهراً للعيان ، ولا يعرف البعض الآخر ، فليس للعبد إلا التسليم والإذعان لله الواحد الديان ، ومن العبادات العظيمة الزكاة.
التي شرعت لحكم عديدة ، منها : محو الذنوب ، وتزكية النفوس ، قال تعالى : {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (التوبة :103) . وزكاة الفطر نوع من أنواعها، مرتبطة بشهر رمضان ، والانتهاء من الصيام ، وقد شُرعت في السنة الثانية من الهجرة.
وكان من حكمة مشروعيتها إضافة لما سبق تطهير الصائم مما عسى أن يكون وقع فيه من اللغو والرفث ، ومن أجل أن تكون عوناً للفقراء والمساكين ، ولإغنائهم عن السؤال يوم العيد ، ففي الحديث : (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ، طهرة للصائم من اللغو ، والرفث ، وطعمة للمساكين) رواه أبو داود ، و ابن ماجه ، وصححه الألباني .
وزكاة الفطر واجبة على كل فرد من المسلمين ، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد. ففي الحديث : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس ، صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على كل حر ، أو عبد ، ذكر، أو أنثى من المسلمين) متفق عليه .
أما مقدارها فهو صاع من قوت البلد ، وقد كان القوت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم هو الشعير والزبيب والتمر ، وفي أيامنا هذه الأرز ونحو ذلك .
وأكثر العلماء على عدم جواز إخراج القيمة بدلاً من الطعام ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها صاعاً من طعام ، ومن المعلوم أن ثمن الصاع يختلف باختلاف جنس الطعام، وهذا يدل على أن المعتبر الصاع لا ثمنه .
ووقت إخراج زكاة الفطر من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى صلاة العيد ، ففي الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) متفق عليه ، ويجوز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين ، ولا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود ، و ابن ماجه ، وصححه الألباني .
أما مستحقوها فهم : فهم الفقراء والمساكين ، لما تقدم من كونها طعمة للمساكين .
وبذلك ينعم المجتمع الإسلامي ، ويسعد كل أفراده وفئاته ، فكما يفرح الصائم بإكمال صوم شهر رمضان ، وبفطره ، وبالعيد السعيد ، يفرح كذلك الفقير بما يجد من إحساس الأغنياء به، وتفقدهم لأحواله ، واعتنائهم به ، إلى جانب سد جوعته ، وستر عورته.
إنه تشريع العليم الحكيم ، الذي خلق الناس ، وقسم الأرزاق بينهم اختباراً وابتلاءاً ، فاللهم وفقنا لصالح الأعمال ، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها
الاعتكاف
الحمد لله الذي هيأ لعباده المؤمنين فرصاً كبيرةً، ومناسبات عظيمةً للارتباط، والتقرب إليه، تجديداً لإيمانهم، وتجهيزاً لآخرتهم، وانتشالاً لأنفسهم من زخم الحياة ومشاغلها فبفضله سبحانه وتعالى شرع عبادات موسمية يحصد فيها المسلم الأجور والخيرات، ويصحح بها مسيره إلى الله، ومن هذه الطاعات الموسمية الاعتكاف في المساجد.
والاعتكاف : هو لزوم المسجد طاعةً لله ، وهو من السنن التي كان يفعلها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم الاعتكاف خاصةً في رمضان، فقد اعتكف العشر الأوائل منه، ثم العشر الأواسط، ثم داوم على اعتكاف العشر الأواخر التماساً لليلة القدر، وفي العام الذي قبض فيه اعتكف العشر الأواخر والأواسط معاً، وقد اعتكف صلى الله عليه وسلم في غير رمضان، فكان ذلك تشريعاً منه بجواز الاعتكاف في كل زمان، وقد اعتكف أصحابه وزوجاته في زمانه ومن بعده، مما يدل على أن الاعتكاف سنة ماضية في المؤمنين إلى يوم الدين .
وليس للاعتكاف حد أدنى من الزمن،كما هو رأي الجمهور، ثم إن أكثر العلماء لا يرون وجوب الصوم على المعتكف، ولكن اشترطوا لصحة الاعتكاف شروطا هي: الإسلام،و العقل،و التمييز،و الطهارة من الحدث الأكبر، و النية، و المسجد الذي تقام فيه الجماعة .
ولا يجوزللمعتكف إذا نوى الاعتكاف لمدة معينة أن يغادر المسجد الذي يعتكف فيه إلا لأمر لابد منه مثل خروجه للطهارة، أو الأكل أو الشرب إذا لم يجد من يحضره له، أو العلاج أو نحو ذلك من ضروريات .
ويجوز لأقاربه أن يزوروه في المسجد، لحديث أم المؤمنين صفية رضي الله عنها حين زارت النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف .
وعلى المعتكف أن يحذر مما يفسد عليه اعتكافه مثل مباشرته لزوجته أومجامعتها لقول الحق سبحانه {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا } (البقرة:187)، ويفسد الاعتكاف بالخروج من المسجد لغير ضرورة، ويفسد بالردة عن الإسلام كذلك.
ومن آداب الاعتكاف : الطهارة الدائمة، والإقبال على الله بالذكر، والصلاة، وتلاوة القرآن، وتعلم الدين، والانقطاع عن أمر الدنيا بقدر ما يستطيع المعتكف .
وبعد، فالاعتكاف من المواسم التي تفضل الله بها علينا، ليتحرر فيها الإنسان من قيود الدنيا، ويقبل على نفسه يهذبها، ويطهرها مما أصابها من أكدار الحياة ومتاعبها، وهو فرصة ذهبية للوقوف مع النفس ومحاسبتها، وأخذ الزاد والعدة للانطلاق بالحياة إعماراً وإصلاحاً لها طاعةً لله وتقرباً منه، نسأل الله أن يجعلنا ممن يعتكف على طاعته، ويعكف عن محارمه
أخطاء في الصوم
شرع الله الصوم لغاية عظيمة ، هي تحصيل تقوى الله جل وعلا ، قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }( البقرة:183)
فالغاية من الصوم ليس إدخال الضرر والمشقة على العباد بفرضيته ، وإنما فرض لتزكية النفوس ، وتهذيب الأخلاق ، وكلما كان الصوم موافقاً لشرع الله وأحكامه أدى الثمرة المرجوة منه، لذلك كان على العبد أن يتعلم من أحكامه ما يرفع به الجهل به عن نفسه ، كي يعبد الله على بصيرة ، فيؤدي ما أمره الله به على الوجه الذي أراد .
لكن كثيرا من الصائمين يُقدِمون على الصوم وهم جاهلون بأحكامه وآدابه ، فتقع منهم الأخطاء والهفوات فى غير معرفة بها .
ونحاول في هذا المقال أن نعرض لبعض هذه الأخطاء الشائعة حتى يتنبه لها المسلم ، ويحذرها ، فمن تلك الأخطاء :
أولاً - الأخطاء التي تقع عند استقبال شهر رمضان :
1- من الأخطاء التي تقع عند استقبال شهر رمضان المبارك ، إحياء لياليه الأولى بالاحتفالات البدعية ، فيجتمع الناس في المساجد ، ويضربون بالدف ، وينشدون الغناء ، احتفاءً وابتهاجاً بقدوم الشهر الكريم ، وكل ذلك لم يرد عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، ولا فعله الصحابة المهتدون ، ولا أمر به الأئمة المتبعون ، والواجب على المسلم في عبادته الاتباع وترك الابتداع ، وأن يحرص عند قدوم شهر رمضان على التشمير عن ساعد الجد بالمسارعة في العبادة والعمل الصالح ، تحقيقا لقوله تعالى : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات } ( البقرة: 148) .
2- ومن الأخطاء أيضاً ما أوحى الشيطان به لأهل الفن والرياضة من تكثيف نشاطهم في هذا الشهر المبارك ، فتتنافس القنوات على تقديم اللهو الرخيص ، والفن المبتذل في شهر الطاعة والصيام . وكذلك الحال مع أهل الرياضة ، حيث يفعّلون نشاطهم ، ويكثفونه ، مما يصرف جماهير من المسلمين عن الإكثار من الطاعات إلى مسالك العبث واللهو .
ومن الأخطاء الخطيرة - التي لا تقع إلا ممن ضعف إيمانه - التأفف من دخول الشهر الكريم ، وتمني ذهابه وسرعة زواله ، وذلك لما يشعرون به من ثقل الطاعة على نفوسهم التي لم تألف هذه العبادة العظيمة.
ثانياً- أخطاء تقع عند الإفطار :
1- من أخطاء الصائمين عند الفطر تأخيره بعد أن يدخل وقته ، وذلك خلافاً للسنة التي دعت إلى تعجيل الفطر ، كما ثبت في الحديث المتفق على صحته
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ) . فينبغي للمسلم إذا حان وقت الإفطار أن يبدأ بالفطر ، ثم يدعوا ما شاء الله له ، ثم يقوم إلى صلاته .
2- ومن الأخطاء التي تقع عند الإفطار أيضاً ما يفعله بعض الصائمين من الفطر على ما حرم الله كالخمر والسجائر ، ولا شك أن الصوم فرصة عظيمة للتوبة من هذه الخبائث ، فمن استطاع أن يتركها نهاراً كاملا ، لا يعجزه - بالصبر والعزيمة - الإقلاع عن هذه الخبائث في ليله أيضاً ، حتى إذا انتهى رمضان كان قد تعود على تركها ، فيسهل عليه المداومة والاستمرار على ذلك
ثالثاًً - أخطاء في السحور :
ترك البعض التسحر ، وهذا خلاف السنة ، وحريٌ بمن ترك السحور أن يضعف عن الصوم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تسحروا فإن في السحور بركة ) متفق عليه
رابعاً - أخطاء في القيام :
التهاون في أداء صلاة التراويح ، بحجة أنها سنة وليست واجبة ، فترى الرجل يقضي وقته في الأسواق أو أمام التلفاز ، ويضيع هذه السنة العظيمة
ولا شك أن هذا غبن كبير وخسارة عظيمة ، ينبغي التنبه لها فصلاة التراويح وإن كانت سنة من السنن إلا أن إتيانها والمسارعة في فعلها ، مما يقرب العبد إلى ربه
خامساً - من أخطاء المعتكفين :
الاعتكاف سنة من سنن العام لا تختص بوقت أو زمان معين ، إلا أنها تتأكد في العشر الأواخر من شهر رمضان فاقتضى منا التنبيه على بعض الأخطاء التي تقع من بعض المعتكفين في هذا الشهر المبارك ، فمن ذلك
- تحويل بعض المعتكفين الاعتكاف إلى مجال للحديث الدنيوي ، وعدم الاشتغال بالعبادة التي هي الغاية من الاعتكاف .
- ومن أخطاء المعتكفين أيضاً: كثرة الخروج من غير حاجة معتبرة ، كالخروج المتكرر إلى السوق لشراء الأكل ، بينما يكفيه من ذلك مرة واحدة .
- ومن أخطاء المعتكفين : عدم المحافظة على نظافة المسجد ، فيترك البعض بعض مخلفاتهم دون تنظيف ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) متفق عليه . فينبغي للمعتكف أن يتعاهد موضع معتكفه بالتنظيف
سادساً - أخطاء عند قراءة القرآن :
1- رفع الصوت بتلاوته والتشويش على المصلين بذلك ، فعن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر ، وقال : ( ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة ، أو قال : في الصلاة ) رواه أبو داود
2- وهذا وإن كان عاما في القراءة في رمضان وفي غير رمضان إلا أن ظهور هذا الأمر في رمضان أكثر فاقتضى التنبيه عليه والله الموفق
أداء العمرة في رمضان ليس كأدائها في غيره من الشهور ، لما خصها به الشرع المطهر من الفضل والزيادة في الأجر
فقال عليه الصلاة والسلام : ( عمرة في رمضان تقضي حجة معي ) رواه البخاري ، لهذا ينشط المسلمون لأداء العمرة في هذا الشهر الكريم أكثر من غيره ، ولكن كثيرا ممن يؤدي العمرة يؤديها وهو جاهل بأحكامها ، فتقع منه الأخطاء والهفوات ، فأحببنا أن نذكر في هذا المقال بعض الأخطاء الشائعة بغية تنبيه المسلمين عليها ، فيحذروها ويجتنبوها ، فمن تلك الأخطاء :
سابعاً: أخطاء في الإحرام
1ـ تجاوز الميقات قبل الإحرام، والواجب على من قصد مكة للحج أو العمرة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يتعداه دون إحرام.
2ـ الاعتقاد بأن الإحرام هو مجرد ارتداء ملابس الإحرام، وهذا غير صحيح، بل لابد للإحرام من نية النسك.
3ـ اعتقاد أن أداء ركعتين قبل الإحرام شرط لصحة الإحرام .
4ـ وضع الطِّيب على الرداء أو الإزار قبل الإحرام، والسنة وضع الطِّيب على البدن قبل الإحرام ، أما ملابس الإحرام فلا يطيِّبها، وإذا طيبها لم يلبسها حتى يغسلها أو يغيرها .
5ـ اعتقاد أن الغسل أو الوضوء عند الإحرام واجب، وإنما هو مستحب فلو أحرم من غير وضوء ولا غسل، فإحرامه صحيح .
6- الجهل بمواقيت الإحرام، التي حددها الشرع، أو عدم مراعاة تلك المواقيت وخاصة من الحجاج القادمين عن طريق الجو، والواجب على الحاج أو المعتمر أن يُحرم من الميقات أو ما يُحاذيه، فإن اشتبه عليه الأمر أحرم قبل الميقات احتياطاً، لكن لا يتجاوز الميقات دون إحرام، كما سبق.
7- كشف المحرم كتفه الأيمن دائماً من حين إحرامه من الميقات، وهو ما يسمى بـ "الاضطباع" وهذا خلاف السنة، وإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في طواف القدوم وطواف العمرة، فإذا طاف المحرم أعاد رداءه على كتفيه في باقي المناسك .
8- التحرج من تغيير لباس الإحرام أو غسله ، ولا حرج في ذلك .
9- اعتقاد أن كل ما كان مخيطاً لا يجوز لبسه، فيتحرج البعض من لبس الساعة أو النعلين، أو الحزام ونحو ذلك، بينما المراد بالمخيط ما خِيط أو نسُج على قدر البدن، كالسراويل والثياب.
10- اعتقاد أن المرأة الحائض لا يجوز لها الإحرام، وأن لها أن تتجاوز الميقات دون إحرام، والصحيح أن الحيض والنفاس لا يمنعان المرأة من الإحرام، فيجب عليها أن تحرم، لكن لا تطوف بالبيت حتى تطهر.
11- اعتقاد بعض النساء أن للإحرام ثياباً خاصة، أو لوناً خاصاً، والصحيح أن المرأة يجوز لها أن تُحرم بثيابها المعتادة، لكن تجتنب لبس النقاب والقفازين.
ثامناً - أخطاء في إخراج صدقة الفطر
- إخراج صدقة الفطر بعد انتهاء وقتها ، كمن يخرجها بعد صلاة العيد ، والواجب إخراجها قبل الصلاة
فعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم : زكاة الفطر ، صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير على العبد ، والحر ، والذكر ، والأنثى ، والصغير ، والكبير من المسلمين ، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة " رواه البخاري .
- ومن أخطاء البعض في صدقة الفطر ، تكليف الناس فوق القدر الواجب عليهم ، والقدر الواجب صاع من غالب قوت البلد ، والمقصود بالصاع هو الصاع النبوي ومقداره بالوزن كيلوان وأربعون جراما من البر الجيد ( الرزين ) أما كيفية حسابه في غير البر فهو ملء القدر إلى الحد الذي يشغله كيلوان وأربعون جراما من البر الجيد
تاسعاً - أخطاء في يوم العيد :
- خروج النساء متعطرات إلى الصلاة ، وهن وإن كن أمرن بالخروج إلى المصلى ، إلا أنهن أمرن أن يخرجن تفلات أي غير متطيبات
ويلحق بالطيب سائر ما يثير شهوة الرجل ، كالزينة الظاهرة ،والتكسر في المشي وغير ذلك .
- ومن الأخطاء الفادحة في يوم العيد اشتغال البعض باللهو الحرام من غناء وموسيقى وتبرج ، والواجب أن يفرح المسلم في ذلك اليوم بما أحل الله من اللهو المباح ، كسماع الأناشيد الإسلامية ، واللعب بما لا يشتمل على محرم ، وقد كانت الجواري يغنين عند النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهن أبو بكر رضي الله عنه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا بكر إن لكل قوم عيد ، وهذا عيدنا ) متفق عليه .
هذه هي بعض أخطاء الصائمين ، وقد توسعنا في ذكرها ، حتى ذكرنا ما كان الأولى تركه، للدلالة على أوجه الخير كلها في هذا الشهر المبارك ، وعليه فينبغي للعبد أن يحرص على الكمال قدر المستطاع – ولن يدركه – ولكن ليسدد ويقارب ، عسى الله عز وجل أن يرحمنا برحمته ، وأن يشملنا بمغفرته ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
أيام خالدة في رمضان
نزول القرآن
شهر رمضان شهر خير وبركة على المسلمين ، ولو ذهبنا نعدد ونحصي بركاته وخيراته ، لما وجدنا أعظم ولا أجل من نزول القرآن الكريم فيه
تلك المنة العظيمة ، التي ربطت الأرض بالسماء ، واستمدت البشرية بها نور هدايتها ، بعد أن كانت متخبطة في ظلمات الجهل والكفر ، قال تعالى مذكراً عباده بهذه المنة العظيمة : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } (البقرة:185) ، ووصف سبحانه ليلة نزوله بالبركة ، فقال : : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } (الدخان:3) ووصفها بأنها ليلة ذات رفعة وشرف ، فقال سبحانه : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ( القدر :1) .
ولبركة هذا الشهر وارتباط القرآن به ، كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فيه ، وكان النبي شديد الفرح بهذه المدارسة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " متفق عليه .
هذه هي إحدى بركات هذا الشهر ، وهي أعظمها وأجلها ، نسأل المولى عز وجل أن يعيننا على العمل بكتابه والقيام بحقه ، إنه على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين
غزوة بدر الكبرى
غزوة بدر هي أولى معارك المسلمين الكبرى ،وأبركها لما حدث فيها من انتصار عظيم على الكفار هو الأول من نوعه بهذا الحجم منذ بعثته صلى الله عليه وسلم ، وقد كانت هذه الغزوة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة النبوية
وتبدأ فصول هذه الملحمة الكبرى ،عندما علم النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم أن قافلة لقريش قادمة من الشام ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم اعتراضها وأخذ ما فيها عوضا عن الأموال التي سلبتها قريش من المسلمين ، فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.
لكنهم أرادوا شيئا وأراد الله غيره ، قال تعالى : } وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ { (لأنفال:7) ، ولما علم أبو سفيان بخروج النبي صلى الله عليه وسلم حوّل مسار القافلة ، وأرسل إلى قريش : إن محمداً يريد أخذ أموالكم ، فخرجت قريش بقضها وقضيضها تريد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي أثناء مسيرهم جاءهم الخبر بنجاة القافلة ، إلا أنهم أصروا على الخروج ومقاتلة النبي وصحابته ، فالتقى الفريقان على بئر ماء تسمى بدرا ، وهناك جرت أولى معارك الإسلام الكبرى ، وحقق المسلمون فيها أول انتصار لهم ، أعز الله به الدين ، ونصر به عباده المؤمنين ، وخذل الشرك والمشركين ، وكان ذلك في شهر رمضان ، شهر الجهاد والعزة والتمكين ، نسأل الله أن يعز المسلمين ، ويهزم الكفر والكافرين ، والحمد لله رب العالمين
فتح مكة ( الفتح العظيم)
ربما لا يدرك كثيرون ممن لم يدرسوا وضع الدعوة في مراحلها الأولى معنى فتح مكة ولا أهميته العسكرية والدينية
لكنَّ المطلعين على الأحداث الأولى للدعوة الإسلامية يدركون جليا المكانة السامية والدور الهام لذلك الفتح ، وبيان ذلك أن العرب في بداية أمر الدعوة كانوا ينظرون إلى مكة وقريش نظرة القيادة والريادة . وكانوا يترقبون ما سيؤول إليه الحال بين قريش والمسلمين ، فإن انتصرت قريش بقوا على ما هم عليه من الشرك وعبادة للأوثان ، وإن انتصر النبي صلى الله عليه وسلم دخلوا في دين الله أفواجاً ، فلما هزمت قريش وفتحت مكة ، جاءت الوفود إليه صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها .
لقد حدث هذا النصر العظيم وهذا الفتح المبين في العشرين من شهر رمضان المبارك سنة ست من الهجرة النبوية .
وتبدأ قصة هذا الفتح عندما تصالح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش في الحديبية ، على أن يضعوا السلاح ، ودخلت خزاعة في هذا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخل بنو بكر بن وائل مع قريش في عقدهم ، فلم يمض على الصلح سوى سنة وتسعة أشهر ، حتى غدر بنو بكر بن وائل حلفاء قريش بخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، فاستنجدت خزاعة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقرر غزو قريش ، لنقضهم العهد واعتدائهم على حلفائه من خزاعة ، فجهز جيشه وخرج قاصداً مكة لعشر مضت من رمضان ، في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ، فدخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا منتصرا ، وطاف بالبيت وصلى فيه ، وكسر الأصنام من حوله ، وأمن أهل مكة على أنفسهم وأموالهم إلا عددا يسيرا ممن بالغوا في عداوة النبي وشتم المسلمين .
فكان هذا الفتح نعمة على أهل مكة ، وعلى العرب عامة ، أما على أهل مكة فلأنه أزال سلطان الكفر عن رقابهم ، ولا سيما ضعفاء المؤمنين ممن لم يستطع الهجرة ، أما قبائل العرب ، فقد كان خوفهم من قريش حائلا دون إسلامهم ، فلما زالت سلطة قريش بفتح مكة، دخلت قبائل العرب في دين الله أفواجا ، فالحمد لله على ما منَّ به من هذا الفتح العظيم
معركة البويب
معركة البويب من المعارك التي أذل الله فيها الفرس إحدى أعظم قوتين في ذلك الزمان ، وأعز الله فيها الإسلام وأهله
وتبدأ فصول المعركة عندما انحاز المسلمون غربي نهر الفرات بعد وقعة الجسر التي هزم فيها المسلمون ، فأقام المثنى بالمسلمين في تلك البلاد ، وكان يرسل السرايا للإغارة على المجوس المرة بعد الأخرى ، وأسر المثنى في أحد المرات أميرين من أمرائهم وأسر معهما بشرا كثيراً قام بقتلهم جميعاً ، ثم أرسل إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم فبعثوا إليه الإمداد ، وبعث إليه عمر رضي الله عنه بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلي في قومه بجيلة بكمالها ، فلما علمت الفرس بكثرة جيوش المسلمين بعثوا إلى المثنى جيشاً مع رجل يقال له مهران ، فالتقوا وإياهم بمكان يقال له البويب وبينهما الفرات ، فقالوا : إما أن تعبروا إلينا أو نعبر إليكم ، فقال المسلمون : بل اعبروا إلينا ، فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا ، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فافطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم ، وعبأ الجيش ، وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر ، وقال المثنى لهم : إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيئوا ، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا ، فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول ، فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا عليهم ، واقتتلوا قتالا شديدا .
وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر ، فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره ، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة ، وحمل المنذر بن حسان بن ضرار الضبي على مهران فطعنه ، وهربت المجوس ، فتبعهم المسلمون يقتلونهم قتلاً ، وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من العبور عليه ، فتمكن منهم المسلمون ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، فيقال انه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة .
وقد قال الأعور الشنى العبدي في ذلك :
هاجت لأعور دار الحي أحزانا واستبدلت بعد عبد القيس حسانا
وقد أرانا بها الشمل مجتمع إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا
إذ كان سار المثنى بالخيول لهم فقتل الزحف من فرس وجيلانا
سما لمهران والجيش الذي معه حتى أبادهم مثنى ووحدانا
وقد كانت هذه المعركة قصاصا للمسلمين من الفرس لقاء معركة الجسر التي انهزم فيها المسلمون وقتل منهم أعداد كثيرة ، نسأل الله عز وجل أن ينصرنا وأن يقتص لنا من أعدائنا ، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين
فتح الأندلس
فتحت الأندلس في شهر رمضان المبارك من السنة الثانية والتسعين للهجرة النبوية المباركة ، على يد القائد البطل طارق بن زياد وموسى بن نصير رحمهما الله تعالى
وقد أقام المسلمون في تلك البلاد حضارة من أعظم الحضارات التي عرفتها الإنسانية في تاريخها ، وامتدَّ خيرها وعمَّ نفعها بلادا كثيرة .
وتبدأ قصة هذا الفتح العظيم – فيما يذكر أهل التاريخ - عندما علم طارق بن زياد رحمه الله - وكان والياً على طنجة من بلاد المغرب - بوقوع خلاف بين ملك الروم ، وحاكم الجزيرة الخضراء – وهي الجزء القريب لبلاد المغرب من بلاد الأندلس – حيث خرج حاكم الجزيرة الخضراء بجيشه لقتال ملك الروم ، وعندما علم طارق بن زياد بمسيره انطلق بجيشه عبر البحر ، حتى نزل بالجزيرة الخضراء ، وكان نزوله قبل الفجر فصلى بأصحابه الصبح ، وبنى مسجدا ، وعقد فيه الرايات - فسمي مسجد الرايات - ثم انطلق طارق بأصحابه ليفتح البلاد ، فعلم به ملك طليطلة لذريق فخرج للقاء المسلمين ، فحدثت بينهما معركة انتصر فيها المسلمون ، ثم تتابعت الانتصارات وتوالت ، حتى استطاع المسلمون أن يصلوا إلى تخوم فرنسا في المعركة الشهيرة المسماة بلاط الشهداء .
هذه هي قصة ذلك الفتح العظيم ، الذي بسط المسلمون بسببه نفوذهم في بلاد الأندلس – أسبانيا والبرتغال حالياً – واستفادت أوربا من نور العلم الذي نشره المسلمون هناك ، بعد أن كانت غارقة في بحار الظلم والجهل ، إلا أن الأمر لم يبق على حاله ، بل دب الخلاف بين المسلمين حتى انحاز كل قوي بدويلة ، وأصبح هم تلك الدويلة مقاتلة الأخرى ، والاستيلاء على ملكها ، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم ، وتسلط عليهم النصارى وساموهم أشد العذاب ، وأجلوهم عن بلاد الأندلس ، وصدق فيهم قول الحق سبحانه : } وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ { ( الأنفال: 46 ) إنها سنة الله في الأرض التي لا تحابي أحداً ، نسأل الله أن يغفر لنا ، وأن ييسر من يعيد مجدنا المفقود ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين
فتح عمورية
في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ظهرت حركة باطنية في أذربيجان سنة 192هـ تزعمها شخص يسمى "بابك الخرّمي" كان رجلاً فقيرًا ضعيفًا مجهول النسب، نسبت هذه الحركة إليه، وأصبحت تعرف باسم "الخرَّمية" وهي حركة تعتقد بالتناسخ ووجود إلهين، أحدهما للنور والآخر للظلمة، وتقول بإباحة النساء
وأخذت هذه الحركة تعيث في الأرض فسادًا وتعمل ما وسعها العمل لهدم صرح الإسلام وإذلال أهله .. فواجهها الرشيد أولاً ولم يتمكن من القضاء عليها، ثم تولى أمرها ابنه المأمون ، فأرسل إليها الكثير من القادة للقضاء عليها، إلا أنه لم يحالفه التوفيق للقضاء عليها، إلى أن كانت خلافة المعتصم ، وقد تعاظم أمر هذه الحركة، واشتد ساعدها، فعقد المعتصم العزم على مواجهتها، فأرسل إليها جيشًا جعل على رأسه الإفشين ، وكان من القادة المحنكين الذين خبرتهم الحروب وصقلتهم التجارب، فاستطاع محاصرة بابك الخرمي وأسره والقضاء على حركته، وإحضاره إلى الخليفة المعتصم الذي أمر بقطع رأسه .
وكان من خبر "بابك الخرمي" أنه لما علم بقدوم جيش المسلمين ومحاصرته اتصل بملك الروم وحرضه على غزو بلاد المسلمين بحجة أنها خالية من المقاتلين، فاستغل ملك الروم الفرصة وتوجه بجيش عظيم لغزو بلاد المسلمين، فوصل إليها وقتل فيها خلقًا كثيرًا، وأسر العديد من أهلها كان من بينهم نساء وشيوخ .
ثم إن الخليفة المعتصم لما علم ما كان من خبر الروم ومهاجمتهم ديار الإسلام وفعلهم الأفاعيل، جهز جيشًا عظيمًا وعقد العزم على فتح عمورية بعد أن استشار أمرائه، فأشاروا عليه بذلك .
وتوجه إليها فوصلها صبيحة يوم الجمعة فوجد أهلها قد تحصنوا بها تحصنًا شديدًا، فحاصرها ونزل منها موضعًا أُشير عليه به، وشدد الخناق عليها. وبدأ التناوش بين الطرفين إلى أن تمكَّن المسلمون من اقتحام حصون المدينة والدخول إليها مكبرين ورافعين رايات النصر.
وجيء بنائب حاكم عمورية، وكان اسمه "مناطس" إلى بين يدي المعتصم فقطع رأسه، وخضعت المدينة منذ ذلك التاريخ لحكم المسلمين، ووافق ذلك الفتح شهر رمضان سنة 223هـ .
لقد كان فتح عمورية نصرًا عزيزًا للإسلام والمسلمين، سببه المباشر استغاثة المسلمات اللاتي وقعن في أسر الروم، فلبَّى خليفة المسلمين تلك الاستغاثة وعقد العزم على تخليصهنَّ مما وقعن فيه، وأعاد لدولة الإسلام هيبتها بعد أن كادت تفقدها بسبب خلافات المسلمين بعضهم مع بعض.
وكم هي أمة الإسلام اليوم بحاجة إلى أمثال هذه المواقف الكريمة، بعد أن آل حالها إلى ما لا يخفى على أحد، وأضحت تعيش حالة من الأسر الجماعي .
نسأل الله أن يهيأ لهذه الأمة رجال صدق يستنقذونها من كبوتها وغفلتها، ويعيدون لها هيبتها وكرامتها، بعد أن أصبحت هينة في أعين الأمم، والله ولي التوفيق وعليه التكلان والاعتماد
معركة الزلاقة رمضان 479هـ
موقعة الزلاقة واحدة من أعظم المعارك التي دارت بين المسلمين والإفرنج ( الصليبيين
وسبب تسميتها بذلك وقوعها في مكان يسمى " الزلاقة "، وقد جرت أحداثها في شهر رمضان سنة 479هـ على ما ذكره الحافظ الذهبي في السير ، وغير واحد من المؤرخين
وكان من شأن هذه المعركة : أن الأذفونش بن فرذلند صاحب طليطلة – قاعدة ملك الإفرنج – أخذ يجوس خلال الديار ويغتصب بلاد الأندلس الواحدة تلو الأخرى ، ويفرض الإتاوة على ملوكها، فنظر المعتمد – أحد ملوك الطوائف - في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع في بلاده ، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين ( أمير دولة المرابطين في المغرب ) ، فكتب إليه : إن كنت مؤثراً للجهاد فهذا أوانه فقد خرج الأذفونش إلى البلاد فأسرع في العبور إليه ، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك .
ولما بلغ يوسف بن تاشفين كتاب المعتمد جهز جيشه وعبر بهم البحر ، وعندما علم أهل الأندلس بذلك ، جهزوا أنفسهم لمساعدة أهل المغرب ، فلما رأى الأذفونش إجماع المسلمين على قتاله علم أنه عام حرب ، فأستنفر الصغير والكبير ولم يدع أحداً في مملكته يقدر على القتال إلا استنهضه ، وكان مقصودة الأعظم قطع تطلع أهل المغرب عن الأندلس وتخويفهم من القدوم إليها .
ولم تزل الجموع تتألف وتتوافد إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجالاًً من الفريقين كل أناس قد التفوا على ملكهم .
فلما تكاملت عساكر المسلمين في الجزيرة قصدت الأذفونش ، وكان نازلاً بمكان يسمى الزلاقة بالقرب من بطليوس .
وعلى مقتضى السنة قدم يوسف بن تاشفين كتاباً يعرض على قائد الصليبيين الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية ، فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه زاد في طغيانه ، وأقسم أن لا يبرح من موضعه حتى يلقى يوسف بن تاشفين ، وكتب إليه كتاباً يصف ما عنده من القوة والعدد وبالغ في ذلك ، فأجابه يوسف بن تاشفين على ظهر كتابه بقوله : " الذي يكون ستراه ". فلما عاد الكتاب إلى الأذفونش ارتاع لذلك وعلم أنه بلي برجل له عزم وحزم فازداد استعداداً
معركة حارم 559 هـ
من الأحداث المهمة في تاريخ الإسلام ، والتي جرت في شهر رمضان المبارك من سنة 559هـ معركة حارم ، وكان وقت وقوعها وقت فرقة وشتات وفتن تعصف بالمسلمين وتفرِّق شملهم ، فملوكهم وأمرائهم في قتال مستمر فيما بينهم ، يغزو بعضهم بعضا
، ويفتح أحدهم بلداً فيخرجه الآخر منها ، وهكذا دواليك ، والأعداء من الإفرنج يأكلون في بلاد الإسلام أكلاً ، ويتربصون بأهلها الدوائر ، فيأخذون بعض البلاد عنوة ، وبعضها بمساعدة الحكام الخونة .
ورغم هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة ، فإنه بين الحين والآخر كانت تظهر مواقف مشرفة، تعيد للأمة عزتها وتذكرها بمجدها ، من تلك المواقف انتصار المسلمين على الإفرنج في موقعة حارم ، وحارم حصن حصين في بلاد الشام ناحية حلب ، وحاصل تلك الوقعة أن نور الدين محمود بن زنكي – والي الديار الشامية والمصرية – استغل خروج الروم من عسقلان لقتال أسد الدين شيركوه بمصر ، فاستغاث بعساكر المسلمين فجاؤه من كل فج لمقاتلة الإفرنج ، فالتقى الجمعان في منطقة حارم ، وجرت بينهما معركة كبيرة ، كانت حصيلتها أن أسر المسلمون عددا من قادة الصليبيين ، منهم البرنس بيمند صاحب إنطاكية ، والقومص صاحب طرابلس ، والدوك صاحب الروم ، وابن جوسليق . وقتل منهم مقتلة عظيمة قيل عشرة آلاف وقيل عشرون ألفا ، وكانت وقعة حارم بحق كسرة عظيمة للإفرنج حيث هزموا شر هزيمة، وكتب الله النصر لعباده المؤمنين ، وقد أعادت تلك الواقعة للمسلمين الهيبة في قلوب أعدائهم ، تلك الهيبة التي أذهبها تناحر المسلمين وتقاتلهم فيما بينهم .
وهكذا تبعث هذه الانتصارات الروح في جسد الأمة المترهل ، فتأتي هذه الانتصارات لتعلم المسلمين دروسا في أهمية الاجتماع ونبذ الفرقة ، والوقوف صفا واحدا في مواجهة الأعداء ، وإلا فإن العدو سيأتي علينا جميعاً ، فإما أن نحيا جميعا حياة العز والإباء ، وإما أن نموت جميعاً موت الذل والمهانة ، إنها دروس الزمان التي يجود بها علينا ، ويذكِّرنا بها ، بين الفينة والأخرى ، لو كان هناك آذانٌ تسمع ، وقلوبٌ تعي ، نسأل المولى عز وجل أن يردنا إلى ديننا ردا جميلا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين
معركة عين جالوت
عندما اجتاحت جحافل التتار مقر الخلافة الإسلامية في بغداد ، وقتلوا الخليفة وأسقطوا الخلافة للمرة الأولى في التاريخ سنة : ( 656هـ 1256م) ، استولوا بعدها على بلاد الشام ، ثم بدأت أنظارهم تتجه إلى مصر للاستيلاء عليها
وكان والي مصر آنذاك المنصور علي بن علي بن عز الدين أيبك ( 655 – 1257هـ) وكان عمره خمسة عشر عاماً ، وهي سن لا يمكن لصاحبها أن يواجه الخطر المحدق بالأمة وأن يتخذ القرارات الصائبة لردعه ، فلم يجد سيف الدين قطز بداً من خلع الملك الصغير فخلعه وتولى الملك ( 656 هـ) . وبعد هذه الخطوة الجريئة جمع قطز قادته قبل المسير ، وشرح لهم خطورة الموقف ، وذكرهم بما وقع من التتار في البلاد التي غزوها من شنيع السفك والتخريب ، وما ينتظر مصر وأهلها من مصير مروع إذا انتصر التتار ، وحثهم وهو يبكي على بذل أرواحهم في سبيل إنقاذ الإسلام والمسلمين من هذا الخطر الداهم ، فضج القادة بالبكاء ، ووعدوا ألا يدخروا وسعاً في سبيل مقاتلة التتار ، وإنقاذ مصر والإسلام من شرهم.
المعركة
خرج قطز في الجيوش الشامية والمصرية ، في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة هجرية ( 1260م ) ، ووصل مدينة ( غزة) ، وكان فيها جموع التتار بقيادة ( بيدر) ، فداهمها واستعاد غزة من التتار ، وأقام بها يوماً واحداً ، ثم غادرها شمالاً.
وكان كتبغانوين - قائد التتار على جيش هولاكو قد بلغه خروج قطز ، وكان في سهل البقاع، فعقد مجلسا استشارياً لذوي الرأي ، فمنهم من أشار بعدم لقاء جيش قطز في معركة والانتظار حتى يأتيه مدد من هولاكو – وكان هولاكو قد سافر إلى الصين لحل خلاف وقع بين أخويه - ، ومنهم من أشار بغير ذلك اعتماداً على قوة التتار التي لا تقهر – حسب زعمهم - ، وهكذا تفرقت الآراء .
وبعث قطز طلائع قواته بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس لمناوشة التتار واختبار قوتهم ، وتحصيل المعلومات المفصلة عن تنظيمهم وتسليحهم وقيادتهم ، فالتقى بيبرس بطلائع التتار في مكان يقع بين ( بيسان) و ( ونابلس ) و يدعي :( عين جالوت) في ( الغور) غور الأردن، وشاغل التتار حتى أتاه قطز ببقية الجيش .
وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك ، من سنة ثمان وخمسين وستمائة هجرية نشبت المعركة بين الجيشين ، وكان التتار يحتلون مرتفعات ( عين جالوت )، فانقضوا على جيش قطز تطبيقا لحرب الصاعقة التي دأب التتار على ممارستها في حروبهم ، تلك الحرب التي تعتمد على سرعة الحركة بالفرسان ، فقتلوا من المسلمين جماعة كثيرة.
وتغلغل التتار عميقاً ، واخترقوا ميسرة قطز ، فانكسرت تلك الميسرة كسرة شنيعة ، ولكن قطز حمل بنفسه في طائفة من جنده ، وأسرع لنجدة الميسرة ، حتى استعادت مواقعها .
واستأنف قطز الهجوم المضاد بقوات ( القلب ) التي كانت بقيادته المباشرة ، وكان يقدم جنوده وهو يصيح : " وا إسلاماه .. وا إسلاماه .. " واقتحم قطز القتال، وباشر بنفسه ، وأبلى في ذلك اليوم بلاء عظيماً ، وكانت قوات ( القلب ) مؤلفة من المتطوعين المجاهدين ، من الذين خرجوا يطلبون الشهادة ، ويدافعون عن الإسلام بإيمان ، فكان قطز يشجع أصحابه ، ويحسن لهم الموت ويضرب لهم المثل بما فعله من إقدام ويبديه من استبسال .
وكان قطز قد أخفى معظم قواته النظامية المؤلفة من المماليك في شعب التلال ، لتكون كمائن، وبعد أن كر المجاهدون كرة بعد كرة حتى زعزعوا جناح التتار، برز المماليك من كمائنهم وزادوا من ضغط القتال على التتار .
وكان قطز أمام جيشه يصرخ : " وا إسلاماه .. وا إسلاماه .. يا الله ! انصر عبدك قطز على التتار " ، وكان جيشه يتبعه مقتديا بإقدامه وبسالته ، فقتل فرس قطز من تحته ، وكاد يعرض نفسه للقتل لولا أن أسعفه أحد فرسانه ، فنزل له عن فرسه .
وسارع قطز إلى قيادة رجاله متغلغلاً في صفوف أعدائه ، حتى ارتبكت صفوف التتار ، وشاع أن قائدهم (كتبغانوين ) قد قتل ، فولوا الأدبار لا يلوون على شيء .
وكان ( كتبغانوين ) يضرب يمينا وشمالاً غيرة وحمية ، فطلب منه جماعة من اتباعه الهرب، فرفض وقال لهم : " لا مفر من الموت هنا ، فالموت مع العزة والشرف خير من الهرب مع الذل والهوان " .
ورغم أن جنوده تركوه وهربوا ، فقد ظل يقاتل حتى قتل .
واختفى فوج من التتار في مزرعة للقصب ، فأمر قطز جنوده أن يضرموا النار في تلك المزرعة ، واحرقوا التتار جميعاً .
وبدأ المسلمون سواء من الجيش أو من عموم المسلمين بمطاردة التتار، وامتدت المطاردة السريعة إلى قرب مدينة حلب ، فلما شعر التتار باقتراب المسلمين منهم ، تركوا ما كان بأيديهم من أسارى المسلمين . ودخل قطز دمشق في أواخر شهر رمضان المبارك ، فاستقبله أهلها بالابتهاج .
هذه هي معركة عين جالوت ، وتلك هي فصولها تنطق بحق وتتكلم بصدق لتحكي لنا ميلاد أمة تفرقت فهزمها أعداؤها ، فلما توحدت هزمت أعداءها ، إنه درس آخر من دروس الزمان يبين بجلاء أن اجتماع الأمة هو مصدر قوتها بعد تمسكها بدينها وجهادها في سبيله ، وأن الأعداء لن يقفوا أمامها ساعة لو طبقوا هذا الدرس ، نسأل المولى عز وجل أن يجمعنا على الحق والهدى ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين
الدعاء ورمضان
قال تعالى في محكم كتابه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر:60)
وقال سبحانه عقب آيات فرضيَّة الصيام:{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعانِ} (البقرة:186) وصح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الدعاء هو العبادة ) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي .
وإذا كان الدعاء سنَّة مشروعة عموماً، فإنه في أوقات مخصوصة وأماكن معلومة يكون آكد سنيَّة وأشد طلباً. ومن الأوقات التي يُلتمس فيها الدعاء ويُطلب أيام رمضان ولياليه.
والدعاء في هذا الشهر الكريم من الأوقات التي يُرجى فيها القبول والإجابة، يُرشد لهذا قوله تعالى عقب آيات فرضيَّة الصيام: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعانِ} (البقرة:186) والملاحَظ أن هذه الآية وردت وسط الآيات المتعلقة بأحكام الصيام، الأمر الذي نلمس منه أهمية الدعاء في هذا الشهر خاصة، وقبول الدعاء واستجابته عند الله.
قال بعض أهل العلم: وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجوَ الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من أيام رمضان.
ويُستأنس لهذا بما رواه الإمام أحمد و الترمذي و ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم) .
وفي الحديث المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل رمضان فتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وسلسلت الشياطين ) وفي هذا الحديث إشارة إلى الحث على الإكثار من فعل الطاعات والقربات، والدعاء منها، وفيه أيضًا إشارة لقبول الدعاء؛ لأن الفتح دليل على الإذن بالدخول والقبول.
وإذ أكدنا - فيما تقدم - على أهمية الدعاء خلال هذا الشهر الكريم والحث عليه، فإننا نرى من المناسب أن نُعرِّج على بعض الأدعية المأثورة في هذا الشهر، وذلك وإن كان باب الدعاء مفتوحًا بما يتيسر للإنسان، إلا أن تَتَبُّعَ المأثور من الدعاء عنه صلى الله عليه وسلم أولى وأحق بالمتابعة والاقتداء
منوعات رمضانية
نور الله على عمر قبره :
مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المساجد في رمضان وفيها القناديل والناس يصلون التراويح فقال: نور الله على عمر في قبره كما نوَّر علينا في مساجدنا .
من عجائب تعبير الرؤى
رأى رجل رؤيا بأنه يختم على أفواه الرجال والنساء وفروجهم، فسأل ابن سيرين أشهر المعبرين من التابعين ؟ فقال له ابن سيرين: إنك مؤذن أذنت في رمضان قبل طلوع الفجر .. وكان كذلك .
بين الحجاج وأعرابي صائم
خرج الحجاج ذات يوم قائظ فأحضر له الغذاء فقال: اطلبوا من يتغذى معنا، فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيًّا، فأتوا به فدار بين الحجاج والأعرابي هذا الحوار:
الحجاج: هلم أيها الأعرابي لنتناول طعام الغذاء .
الأعرابي: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته .
الحجاج: من هو ؟
الأعرابي: الله تبارك وتعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائم .
الحجاج: تصومُ في مثل هذا اليوم على حره .
الأعرابي: صمت ليوم أشد منه حرًا .
الحجاج: أفطر اليوم وصم غدًا .
الأعرابي: أوَ يضمن الأمير أن أعيش إلى الغد .
الحجاج: ليس ذلك إليَّ، فعلم ذلك عند الله .
الأعرابي: فكيف تسألني عاجلاً بآجل ليس إليه من سبيل .
الحجاج: إنه طعام طيب .
الأعرابي: والله ما طيبه خبازك وطباخك ولكن طيبته العافية .
الحجاج: بالله ما رأيت مثل هذا .. جزاك الله خيرًا أيها الأعرابي، وأمر له بجائزة
البخلاء والصوم
دخل شاعر على رجل بخيل فامتقع وجه البخيل وظهر عليه القلق والاضطراب وظن أن الشاعر سيأكل من طعامه في ذلك اليوم وإلا فإنه سيهجوه .. غير أن الشاعر انتبه إلى ما أصاب الرجل فترفق بحاله ولم يطعم من طعامه .. ومضى عنه وهو يقول:
تغير إذ دخلت عليه حتى .. .. فطنت .. فقلت في عرض المقال
عليَّ اليوم نذر من صيام .. .. فاشرق وجهه مثل الهلال
ومن الأشعار الجميلة التي قيلت في ذم البخلاء الصائمين قول الشاعر:
أتيت عمرًا سحرًا .. .. فقال: إني صائمٌ
فقلت: إني قاعدٌ .. .. فقال: إني قائمٌ
فقلت: آتيك غدًا .. .. فقال: صومي دائمٌ
ومن ذلك ما قال أبو نواس يهجو الفضل قائلاً:
رأيت الفضل مكتئبًا .. .. يناغي الخبز والسمكا
فأسبل دمعة لما .. .. رآني قادمًا وبكى
فلما أن حلفت له .. .. بأني صائم ضحكا
|