|
الذكرى
الأولى : محمد ابن خالتي
ما
زلت أذكر هذا الوجه الذي لم أره
منذ ذلك اليوم، هذا الوجه
الممتلئ بالإقبال على الحياة
والإصرار على النيل منها.. وجه
"محمد" ابن خالتي.. في ذلك
اليوم جاءني إلى المدرسة ليعود
بي إلى بيتنا.. كعادته منذ
التحق بالجيش أواخر عام 1971م..
لم يكن "محمد" بالنسبة لي
مجرد ابن خالة.. بل الأخ الأكبر
الذي لم يكتبه الله لأبوي..
فكلانا متشابه في حياته، كلانا
وحيد والديه.. وأعتقد أنني حتى
الآن أشبهه إلى حد كبير، كما
أنه لم يكن يرتاح من مشاجراته
الكثيرة مع والدته إلا عند
خالته التي هي أمي، أما أنا
فحتى الآن لا أرتاح عند أمه ولا
عند أمي..
كانت
مفاجأة وقوفه أمام باب المدرسة
من الأشياء التي تسعدني خصوصًا
أننا اليوم في الخامس من رمضان
1973.. وهذا يعني أننا سنحصل على
سهرة رائعة في أحضان "قاهرة
المعز".. جولة بين أزقة
وحواري "الدرب الأحمر" ،و"تحت
الربع" ،و"الغورية" حيث
تختلط روائح المسك بالعطارة في
تركيبة غريبة تأخذك إلى دنيا
ساحرة لا يشعر بها إلا من يداوم
على هذا الجو الذي يعطيك "براحًا"
في النفس..
واحوى
يا واحوى
انطلاق
مدفع الإفطار وصوت آذان الشيخ
"محمد رفعت" هذه الخصوصية
المصرية التي تأخذ الناس إلى
موائد الإفطار، كانت بالنسبة
لي أنا ومحمد إيذانًا
بالانطلاق من أسر الأسرة
وتنغيص الأمهات لنا
بالتوجيهات "الغريبة"
التي لم نكن نقتنع بها في حينها..
وبالفعل تناولنا لقيمات بسيطة..
بدأت بحفل ساخن من الكلمات
الموجهة "أرض جو" وذلك
لأنني في هذه المرحلة من العمر
كنت أرفض تناول اللحوم.. ولك أن
تتخيل المشهد بكامله.. "محمد"
يكاد يموت ضحكًا من منظر أمي
وهي تدور ورائي وأنا أجري
لتطعمني قطعة لحم.. وأبي يشارك
في الضحك.. ثم يتوقف المشهد
فجأة على صوت أبي وهو ينقذني من
هذا الطعام الإجباري..
انطلقنا
يومها في رحلتنا المعتادة مع
أصدقاء "محمد" لنصل إلى
ليل القاهرة اختلطت رائحة
الشيشة بطعم الشاي الأخضر
بالنكات التي بدأ الناس
تداولها في هذه الأيام عن "عام
الحسم" بل وغنى أحد الجالسين
أغنية شهيرة في ذلك الوقت هي :
"جاب لك إيه يا صبية .. جمالك
لما مات .. جاب لي (…) من
المنوفية وقال ده زينة الولاد"..
والمنوفية محافظة شمال مصر وهي
مسقط رأس السادات، أما ما بين
القوسين فلفظة تهكم على الرئيس
السادات.
وهذه
الأغنية وغيرها اخترعها
المصريون للتندر على موقف مصر
الخاسرة آخر معاركها على أرض
سيناء.. والتي تسبب فيها –حسبهم-
جمال عبد الناصر ثم لم يكتف
بذلك وإنما ولى من بعده
السادات، الذي رأى الناس
أنه لا يحسن إلا الكلام
فأصابهم الملل من حديث الرئيس
الراحل عن عام "الحسم "
وسنة "النصر" وغيرها من
الكلمات التي فقدت معناها في
قلوب المصريين لطول الزمن بين
الهزيمة ويوم الثأر.. وللحق لم
يكن أحد من الجالسين يتصور أن
هناك معركة ولا غيره.
ثم
كان اليوم العاشر من رمضان حيث
ذهب "محمد" إلى الجبهة مرة
أخرى، ولا زلت أذكر آخر كلمة له..
قالها قبل أن يمضي.. حين
سألته أمه عن الزواج... وانه متى
يعود ستكون قد اختارت له عروسا..
فأجابها قائلاً "أنا أتجوزت
الدبابة خلاص"..
وإلى
يومنا هذا لا أدري هل عشقه
لدبابته هو الذي أخذ بيده يوم 12
أكتوبر ليقضي نحبه على ظهرها
في المعركة ؟..
الذكرى
الثانية: فرقة تمثيل شوارعي
في
رمضان من العام 1976 قررنا أن
نكون أكثر نظامًا كما قررنا
عمل مباريات ومسابقات بين
أبناء الحي جميعًا وقررنا أن
يكون ذلك في اعمال عديدة:
1-
أجمل زينة في الشوارع...
2-
الحفاظ على الزينة حتى آخر يوم
من رمضان
3-
كرة القدم.
4-
المواهب.
وكان
عدد كبير من الأطفال يقبل على
هذه المسابقات.. فقد كان
الحي مترابطا ومعظم أبنائه من
مدرسة واحدة ويعرفون بعضهم
البعض جيدًا .. كما كان مركز
الشباب الناشئ يضمنا في كل
الألعاب التي بدأت تنتشر في
ذلك الزمن "تنس طاولة"، و"كاراتية"،
وبالفعل جمعنا من بعضنا البعض
مبلغًا من المال اشترينا به
عددا من الكئوس الصغيرة
والكبيرة وكان موعد تسليم هذه
الكئوس هو يوم العيد صباحًا
للحق فإن فضل هذه الكئوس كان
للأستاذ محمد بيومي الذي وفد
إلى الحي في العام الماضي
وكانت تضايقه الضوضاء التي
نعملها فقرر أن يرشد من طاقتنا
بشيء مفيد فجمعنا قبل رمضان
بأيام وطرح فكرة جائزة المواهب
وجائزة الكرة وكلاهما قرر أن
يجريهما لنا في مركز الشباب
بعيدا عن شقته .. ولكننا زدنا
جوائز الزينة وفرقة التمثيل
الشوارعي ،وكانت المباريات
الحقيقية تجري في الشوارع...
أما مباريات الكرة وفرق
التمثيل في المركز ،فقد جعلنها
تطييبا لخاطر الرجل الذي قدم
لنا فكرة جديدة نقضي بها وقت
فراغنا وما أن حل رمضان حتى
تفنن كل شارع من الشوارع في شكل
الزينة وابتداع الجديد فهذا
يضع سماعة راديو في الجامع
المعلق وذاك يأتي بأوراق ملونة..
إلخ.
وفي
أول يوم من أيام رمضان من ذلك
العام كان الكل يعلق أشكالا
متعددة من زينة رمضان وبدأت
مباريات أكثر شراسة وهي تقطيع
وتكسير زينات الشوارع الأخرى
حتى يتسنى لشارعنا الفوز، ولأن
الشارع كان يتميز بعدد لا بأس
به من الأولاد وهو25 طفلا فقد
قسمنا أنفسنا إلى مجموعات..
مجموعة الهجوم وهي المجموعة
التي تقطع الزينات والمجموعة
الاخرى للحراسة والمجموعة
الثالثة لاستطلاع الزينات
الأكثر بهجة وأكثر ثراء ورصدها
حتى يتسنى لنا تقطيعها في
الغارات القادمة.. وبالفعل..
استطعنا أن نخرج خلال هذا
العام بالجائزة الأولى
وبعداوات لا بأس بها من
الشوارع المجاورة..كانت هذه
المجموعات تبدأ عملها بعد
الإفطار مباشرة وحتى صلاة
الفجر حيث كنا نقطع الزينات
الساعة الواحدة صباحًا ثم نعود
لنجلس على المصطبة المعدة لعمل
المسرحية اليومية والتي لم نكن
نغيرها أبدًا وهي مسرحية
تدربت عليها في الصف الرابع في
المدرسة إضافة إلى بعض
الاسكتشات الهزلية والتي
بسببها كنا ننال توبيخ السكان
الذين يغضبون من سخريتنا منهم
في هذه الاسكتشات، وخصوصا عم
"بهلول" الذي كان يتحفنا
يوميًا بوعاء ماء يصبه فوق
رؤسنا فنقف مصفقين له وهو
ويلعن اليوم الذي جاء به إلى
شارعنا
الذكرى
الثالثة :عم محمد المسحراتي
عم
"محمد" المسحراتي ليس ككل
المسحراتية الذين رأيتهم سواء
في "الدرب الأحمر" حيث
منزلنا القديم ،وحيث
المسحراتي يحمل طبلة صغيرة في
يده وجلدة صغيرة ولا يسحر أكثر
من شارع أو شارعين..
أو
حتى في "شبرا " حيث جدتي
وأخوالي حيث المسحراتي يحمل في
يده طبلة عادية من تلك التي
يستخدمها الفنانين ولا حتى
مسحراتي "عابدين" حيث
أعمامي وعماتي .. فعم "محمد"
يحمل
طبلة كبيرة يحملها في عنقه
ويقوم بتسحير الناس في دائرة
قطرها لا يقل بحال عن كيلو متر
مربع حيث استطاع أن يطرد كل
المسحرين من الحدود الشرقية
والغربية لمملكته التي يبدأ
فيها تسحير الناس من الساعة
الثانية عشر حتى الساعة
الثالثة فجرًا ولك أن تتخيل كم
الشوارع التي يدور فيها العم
محمد بطبلته التي يحملها فوق
عنقه.. وقد اكتسب عم محمد شهرة
واسعة في الأحياء المتلاصقة
التي يقوم بتسحيرها ، "عزبة
عاطف"، و"عزبة شوقي"،
و"المنشأة
الجديدة".. كلها صارت مع
الأيام ضمن مملكة عم محمد وضمن
أعماله التي يباشرها والرجل
يبدأ أعماله مع ثبوت رؤية
الهلال حيث يجتمع خلفه ما يزيد
عن ثلاثمائة طفل أو يزيد يدور
هو يضرب بعكاز على طبلته
الكبيرة والكل خلفه فيما يشبه
المظاهرة يرددون بكرة صيام يا
فلان … وفي نداءات عم محمد
نوعا من القومية العربية التي
لا أدري من أين أتته؟ فهو بعد
أن ينادي على محافظات وأبناء
القطر المصري حيث يقول اصحوا
يا أهل الغربية.. اتسحروا يا
أهل المنوفية.. قوموا يا أهل
كفر الشيخ..
يبدأ
في النداء على أبناء الوطن
العربي .. اصحوا يا أهل المغرب....
يا أهل السعودية.. وحتى جزر
القمر، ثم ينهي ذلك كله
بعبارته الطويلة الممطوطة..
قوموا كلوا
ورغم
هذا العنت وهذا العناد الذي
يلاقيه عم محمد من جراء هذه
المهنة فقد كانت دهشتي شديدة
عندما شاهدته بعد ليلة تسحيرية
طويلة. وهي يدخن السيجارة في
نهار رمضان وهو السبب الذي
دعاني أن أدّبر له مقلبا أصيب
من جرائه بالرعب الشديد وهو
مقلب الجنيه الطائر
وهو
مقلب توارثته الأجيال من بعدنا
وإن كان اندثر الآن بفعل زحف
الكهرباء علىكل بيت وكل ركن من
أركان مصر.. كنا نعتمد في هذا
المقلب على ظلمة الليل.
حيث
نصعد أشجار الجميز أمام منزل
"أبو عويضة"، وندلي خيطا
أسودًا يتدلى في نهايته "جنيه"
ونتركه عرضة للقادم في الليل
فإذا اقترب منه وجده يتحرك
وكلما حاول أن يمسك به جرى منه
أو طار لأعلى فيصاب المار
بالرعب ثم نتابعه بإلقاء
ثمار الجميز فوق رأسه وهو يجري
ويصرخ بهلع.. وهذا بالضبط ما
فعلناه مع عم "محمد"
المسحراتي، ولك أن تتخيل منظره
وهو يجري بطبلته المعلقة على
رقبته وعكازه الطويل الذي يدق
به على الطبلة وصوت الرعب
الصادر منه وهو يحوقل ويبسمل
ويستعيذ بالله من الشيطان
الرجيم.
الذكرى
الرابعة : عم إبراهيم "الجدي"
..!!
عم
"إبراهيم الجدي" هكذا كنا
نناديه بهذا اللقب الذي كنا
نراه مضحكا لدلالته على ذكر
الماعز ولا أدري كيف اكتسب هذا
اللقب؟ هل من أسلوبه في الحياة
أم هو لقب عائلته فعلا؟.. كل ما
أذكره الآن أنه صاحب محل
الدراجات ،والذي يقوم
بتأجيرها لنا نحن الأطفال في
حي المطرية وهو سكننا الجديد
الذي انتقلنا له مؤخرًا من
الدرب الأحمر بوسط القاهرة.
وإيجار
العجل- الدراجات- واللعب به هو
التسلية الوحيدة المتاحة في
زماننا في المطرية وكانت لنا
مع عم إبراهيم جولات كثيرة من
الأفعال الصبيانية.
أولها
كانت مدة الإيجار... فقد كنا
نؤجر منه الدراجة "ربع
ساعة "ثم نأخذ الدراجات
ونطوف بها كل الأحياء المجاورة
ونعود بعد ما يقرب من الساعة،
ونرقبه من بعيد وهو يكاد يموت
من الغيظ ، ونترقب نحن كذلك أن
نتجمع كلنا لنقف على ناصية
الشارع وندفع بالدراجات في
اتجاه دكانه دفعة واحدة فيجدها
جميعا بدون ركاب فيتحرق من
الغيظ ويقف يهدد ويتوعد ولا
يمكنه الإمساك بنا أبدا.. وقد
اتبعت مع أصدقائي هذا الأسلوب
في رمضان عام 1975 كنوع من
العقاب لعم إبراهيم حيث كنا
نراه يبخل على ولديه "صالح"،
و"صبحي" بل ويحبسهما على
العمل معه حتى في أيام العيد ..
وبالمناسبة صالح الآن أستاذ في
جامعة الأزهر.. المهم أنني
اتخذت قرارا باعتباري زعيم
"الشلة" بعقابه على حب
المال ،والغريب أنه كان في كل
يوم يعاود الإيجار لنا كأن
لم يحدث بالأمس.. وهو الرجل
سليط اللسان صعب الخلق.. ولم
اكتشف السر إلا في ليلة العيد.
-كل
سنة وأنت طيب يا بابا..
-وأنت
طيب.
-العيدية
-
أنت أخذت عيدية عيدي الفطر
والأضحى لمدة عامين على الأقل.
لم
أكن أصدق ما يقوله أبي فما عهدت
عليه الكذب ولا البخل.. فوقفت
مندهشًا من الحديث، ووضح هو لي..
لقد استأجرت أنت وأصحابك في
حدود 100 ساعة من عمك "إبراهيم"
ثمنها 15 جنيها دفعتم 5 جنيهات
ودفعت أنا الباقي..
و
اكتشفت انه بدلا من أن نؤدب
الرجل تم تأديبي أنا وحرمت من
العيدية.. ولم يأتِ ذلك إلا على
رأسي أنا .. فأبي دفع لي
ولأصحابي على حسابي .. وحينما
حكيت لأصحابي قررنا أن نؤدب عم
"إبراهيم" بصورة أخرى..
بطريقة صح النوم وهي طريقة لا
تصلح إلا مع ساكني الدور
الأرضي.
حيث
نقوم بتفريغ شحنة من مكونات
"البمب " والبارود في علبة
محكمة الغلق ونضع هذه العلب في
علبة أكبر، بها قطنة كبير
مبللة بالجاز أو البنزين
ونتركها على حافة الشباك ولك
أن تتخيل صوت الانفجار الذي
يحدث من ذلك العمل المؤذي وكم
الرعب الذي سيصب صاحب الدار...
وبالفعل كان منظر عم "إبراهيم
الجدي" مثيرًا للضحك وهو
يفتح الشباك صارخًا بملابس
النوم.. ويقفز ليجري خلفنا بهذا
المنظر بينما وقف ولداه في
الدكان صامتان ولم يدلاه على
الفاعلين رغم أنهما يعرفان. |