رمضان .. شهر الإيمان والصحة النفسية

 

 حسام عبد القادر

الطب النفسى يؤكد: 
** رمضان فرصة لمواجهة الإكتئاب وأمراض القلق!!
** الصوم يؤدى إلى آثار نفسية وإيجابية هائلة للصائم المريض أو المعافى!!
** الصوم يقوى الإرادة وهو سلاح فعال في مواجهة الاكتئاب والقلق والوساوس المرضية!!

يأتي رمضان هذا العام في ظروف صعبة يعانى منها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ، فالبقع الساخنة للحروب والصراعات علي امتداد كوكب الأرض تكاد تشمل دائماً مجتمعات المسلمين سواء في الدول العربية أو الإسلامية ، أو بالنسبة للأقليات المسلمة التي تعيش في بلاد الغرب حيث فرض الواقع الجديد للعالم أن يكون المسلمون في موضع المتهم بالتخلف والإرهاب ، وأن يتعرضوا لألوان العداء وهم في أشد حالاتهم ضعفاً منذ قرون طويلة رغم أنهم يتفوقون علي غيرهم في العدد والموارد .. لكن السبب في ما آل إليه حالهم أنهم غفلوا عن تعاليم الإسلام ، ولم يعودوا كما كانوا من قبل أمة متماسكة علي قلب رجل واحد . ولعل الصيام في هذا الشهر هو أحد الأركان الهامة الي تمتد آثارها لتشمل كل نواحي حياة المسلمين في هذا الشهر .. وللصيام آثار إيجابية علي الصحة العامة للجسد وعلي الصحة النفسية أيضاً .. وشهر رمضان قد يكون مناسبة جيدة ليعود فيها المسلمون إلى أنفسهم ويتدبروا أمورهم ويدرسوا ما وصل إليه حالهم من ضعف وهوان حتى أصبحوا هدفاً للأعداء، وفي رمضان علينا كمسلمين فرادي وجماعات أن نعود إلي ينابيع الدين الإسلامى ، ونستلهم من تعاليمه القيم التي غفلنا عنها مثل الصبر والتمسك بحبل الله والتعاون ليتم تبديل هذا النموذج الراهن للمسلم بنموذج المؤمن القوي الذي ورد في الحديث الشريف ، والذي هو أفضل وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفى دراسة للدكتور لطفى الشربينى استشارى الطب النفسى بالإسكندرية وعضو الاتحاد العالمى للصحة النفسية حلل النواحى النفسية وأهميتها للصائمين والآثار النفسية للصوم على المسلمين.. وكانت لأكتوبر هذا الحوار مع الدكتور لطفى الشربينى لتكتشف للقراء أهمية النواحى النفسية للصوم فى رمضان..
*هل للصيام آثار نفسية إيجابية !؟
** لعل أهم ما يميز شهر رمضان عن بقية العام هو الصيام الذى يعني الامتناع عن تناول الطعام والشراب وممارسة الشهوات خلال النهار ، بالإضافة الي الجو الروحاني الخاص الذى يميز هذا الشهر من المشاركة العامة بين الأفراد في تنظيم أوقاتهم خلال اليوم بين العبادة والعمل في فترات محددة وتخصيص أوقات موحدة يجتمعون فيها للإفطار ، وهذه المشاركة في حد ذاتها لها أثر إيجابي من الناحية النفسية علي المرضي النفسيين الذين يعانون من العزلة ويشعرون ان إصابتهم بالاضطراب النفسي قد وضعت حاجزاً بينهم وبين المحيطين بهم في الأسرة والمجتمع .. وشهر رمضان بما يتضمنه من نظام شامل يلقي بظلاله علي الجميع حين يصومون خلال النهار ، وتتميز سلوكياتهم عموماً بالالتزام بالعبادات ، ومحاولات التقرب الي الله ، وتعم مظاهر التراحم بين الناس مما يبعث علي الهدوء النفسي والخروج من دائرة الهموم النفسية المعتادة التي تمثل معاناة للمرضي النفسيين فيسهم هذا التغيير الإيجابي في حدوث تحسن في حياتهم النفسية ، وللصوم آثار إيجابية في تقوية الإرادة التي تعتبر نقطة ضعف في كل مرضي النفس،كما ان الصوم هو تقرب الي الله يمنح أملاً في الثواب ويساعد علي التخلص من المشاعر السلبية المصاحبة للمرض النفسي ، كما ان الصبر الذى يتطلبه الامتناع عن تناول الطعام والشراب والممارسات الأخرى خلال النهار يسهم في مضاعفة قدرة المريض علي الاحتمال مما يقوى مواجهته ومقاومته للأعراض المرضية ..ولهذه الأسباب فإننا في ممارسة الطب النفسي ننصح جميع المرضي بالصيام في رمضان ونلاحظ ان ذلك يؤدى الي تحسن حالتهم النفسية .

*وما وضع المصابين بالقلق والإكتئاب من صوم رمضان؟
** الاكتئاب النفسي هو مرض العصر الحالي ، وتبلغ نسبة الإصابة به 7% من سكان العالم حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية ، واهم اعراض الاكتئاب الشعور باليأس والعزلة وتراجع الإرادة والشعور بالذنب والتفكير في الانتحار ، والصوم بما يمنحه للصائم من أمل في ثواب الله يجدد الرجاء لديه في الخروج من دائرة اليأس ، كما ان المشاركة مع الآخرين في الصيام والعبادات والأعمال الصالحة خلال رمضان يتضمن نهاية العزلة التي يفرضها الاكتئاب علي المريض ، وممارسة العبادات مثل الانتظام في ذكر الله وانتظار الصلاة بعد الصلاة في هذا الشهر تتضمن التوبة وتقاوم مشاعر الآثم وتبعد الأذهان عن التفكير في إيذاء النفس بعد ان يشعر الشخص بقبول النفس والتفاؤل والأمل في مواجهة اعراض الاكتئاب .

أما القلق فإنه سمة من سمات عصرنا الحالي ، وتقدر حالات القلق المرضي بنسبة 30-40% في بعض المجتمعات ، والقلق ينشأ من الانشغال بهموم الحياة وتوقع الأسوأ والخوف علي المال والأبناء والصحة ، وشعور الاطمئنان المصاحب لصيام رمضان ، وذكر الله بصورة متزايدة خلال رمضان فيه ايضاً راحة نفسية وطمأنينة تسهم في التخلص من مشاعر القلق والتوتر ، والوساوس القهرية يعاني منها عدد كبير من الناس علي عكس الانطباع بأنها حالات فردية نادرة ، فالنسبة التي تقدرها الإحصائيات لحالات الوسواس القهرى تصل الي 3% مما يعني ملايين الحالات في المجتمع ، وتكون الوساوس في صورة تكرار بعض الأفعال بدافع الشك المرضي مثل وسواس النظافة الذى يتضمن تكرار الاغتسال للتخلص من وهم القذارة والتلوث ، وهناك الأفكار الوسواسية حول امور دينية او جنسية او افكار سخيفة تتسلط علي المرضي ولا يكون بوسعهم التخلص منها ، ويسهم الصوم في تقوية ارادة هؤلاء المرضي ، واستبدال اهتمامهم بهذه الأوهام ليحل محلها الانشغال بالعبادات وممارسة طقوس الصيام والصلوات والذكر مما يعطي دفعة داخلية تساعد المريض علي التغلب علي تسلط الوساوس المرضية .
*وهل هناك علاقة بين الصيام وقوة الإرادة من الناحية النفسية؟!!
**من وجهة نظر الطب النفسي فإننا ننظر الي الصوم وقدوم شهر رمضان علي انه فرصة جيدة وموسم هام يساعدنا في مواجهة الكثير من المشكلات النفسية، والمثال علي ذلك حالة المدخنين الذين اعتادوا علي استهلاك السجائر بانتظام خلال الأيام العادية بمعدل زمني لا يزيد عن دقائق معدودة بين اشعال سيجارة بعد سيجارة حتي يتم الاحتفاظ بمستوى معين من مادة النيكوتين التي تم تصنيفها ضمن مواد الإدمان.. إن قدوم شهر الصيام والاضطرار الي الامتناع عن التدخين علي مدى ساعات النهار هو فرصة للمدخنين الراغبين في الاقلاع لاتخاذ قرار التوقف نهائياً عن التدخين، ونلاحظ بالفعل أن نسبة نجاح الاقلاع عن التدخين في شهر رمضان أكبر من النسبة المعتادة في الأوقات الأخرى والتي لا تزيد عن 20% بمعني أن كل 10 من المدخنين يبدأون في الاقلاع ينجح 2 فقط منهم ويعود 8 الي التدخين مرة أخرى، وبالنسبة للإدمان -وهو احدى المشكلات المستعصية التي تواجه الأطباء النفسيين- فإن تحقيق نتيجة ايجابية في علاج هذه الحالات يمكن ان تزيد فرصته مع صيام رمضان، فالصيام تقوية للإرادة المتدنية لدى المدمنين، وقبولهم تحدى الامتناع عن الطعام والشراب خلال نهار رمضان يسهم في تقوية إرادتهم ومقاومتهم لالحاح تعاطي مواد الإدمان المختلفة، كما أن شهر رمضان يذكر الجميع بضرورة التوقف عن ممارسة الأعمال التي تتنافي مع روح الدين ويمنح فرصة للتوبة والرجوع الي الله ، وهي فرصة كبيرة للخروج من مأزق الإدمان لمن لديه الدافع الي ذلك ..
ويؤكد الدكتور لطفى الشربينى أن القاعدة الطبية المعروفة التي تؤكد أن الوقاية افضل وأجدى من العلاج تنطبق تماماً في حالة الأمراض النفسية، فقد ثبت لنا من خلال الملاحظة والبحث في مجال الطب النفسي أن الأشخاص الذين يتمتعون بشخصية متزنة ولديهم وازع ديني قوى، ويلتزمون بأداء العبادات وروح الدين في تعاملهم هم غالباً اقل اصابة بالاضطرابات النفسية، وهم أكثر تحسناً واستجابة للعلاج عند الاصابة بأى مرض نفسي، والغريب في ذلك أن بعض هذه الدراسات تم اجراؤها في الغرب حيث ذكرت نتائج هذه الابحاث ان الايمان القوى بالله والانتظام في العبادات لدى بعض المرضي النفسيين كان عاملاً مساعداً علي سرعة شفائهم واستجابتهم للعلاج بصورة افضل من مرضي آخرين يعانون من حالات مشابهة، والأغرب من ذلك أن دراسات أجريت لمقارنة نتائج العلاج في مرضي القلب والسرطان والأمراض المزمنة أفادت نتائجها بأن التحسن في المرضي الملتزمين بتعاليم الدين الذين يتمتعون بإيمان قوى بالله كان ملحوظاً بنسبة تفوق غيرهم، وقد ذكرت هذه الأبحاث أن شعور الطمأنينة النفسية المصاحب للإيمان بالله له علاقة بقوة جهاز المناعة الداخلي الذى يقوم بدور حاسم في مقاومة الأمراض، فالصيام وذكر الله في نهار رمضان ، والتقرب الي الله بالعبادات في هذا الشهر من الأمور الايجابية التي تنعكس علي الصحة النفسية للجميع .. والفرصة كبيرة أمام إخواننا ممن يعانون من الاضطرابات النفسية لتدعيم تحسن حالتهم ومساعدتهم في الخروج من المعاناة النفسية .. كما ان الفرصة الذهبية هي من نصيب إخواننا الذين هم آسري لعادة التدخين التي تهدد صحتهم ويمكن ان تودي بحياتهم، وللذين وقعوا في مأزق الإدمان علي المواد المخدرة .. كل هؤلاء يمكنهم في هذا الموسم بالذات الاستفادة من هذه الفرصة في شهر رمضان الذى استقبلناه ونعيش أيامه ولياليه في جو روحاني رائع ..

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان