مؤثرات رباعية الإسكندرية 
على الرواية العربية

 

بقلم: شوقي بدر يوسف 

الإسكندرية المدينة الروائية التي تعيش سيرتها الذاتية منذ أقدم العصور، والتي حفرت اسمها في سجل الرواية العالمية منذ أن صدرت عنها رواية "رباعية الإسكندرية " The Alexandria Quartet للروائي الإنجليزي "لورانس داريل"Lawrence durrell .

كتب لورانس داريل رباعية الإسكندرية بعد أن حضر إلى مصر والتحق بالعمل بوزارة الخارجية الإنجليزية، أثناء فترة الحرب العالمية الثانية، وقد مكث فترة غير قصيرة يجمع المعلومات عن المدينة من مظانها الأصلية حتى هيأ نفسه لكتابة هذه الرواية التي وضعت نفسها وصاحبها علي خريطة الرواية العالمية كأحد الأعمال السردية المشعة بوهج الشاعرية والصوفية، والعالم السحري المليء بأسئلة السياسة والعاطفة والخيال، والواقع الممزوج بوعي الذات ووعي العالم، وكل الممارسات الإنسانية المتاحة والممكنة المليئة بالخبرات الدينية والحسية والجنسية والفكرية حيث تتعايش أجناس مختلفة، وحيث الإسكندرية مكان تتخذ فيه رقعة الإمكانات البشرية طابعا عاريا لا يعرف الرحمة.
والرواية تتكون من أربعة أجزاء " جوستينJustine 1957" و"بالثازار Balthazar 1958" و"ماونت أوليف Mountolive 1958" والجزء الأخير بعنوان "كاليه Clea1960". وقبل كتابة الرباعية كتب لورانس داريل روايته الأولي بعنوان "الكتاب الأسود" متأثرا فيها بأعمال صديقه وكاتبه المفضل "هنري ميللر"، خاصة روايته "مدار السرطان" الذي أعجب بها داريل وقال عنها: "إن الأدب الأمريكي اليوم يبدأ وينتهي بصدور هذه الرواية". وقد عكست رواية "الكتاب الأسود" مقدار الأثر العميق التي تركه "هنري ميللر" علي إبداع لورانس داريل، حيث حققت هذه الرواية نجاحا لصاحبها جعله يفطن لموهبته وقدراته الأدبية، فكتب رباعية الإسكندرية التي وضعته في مصاف الكتاب العالميين، ثم كتب بعد ذلك خماسية بعنوان "خماسية آفنيون"، كما كتب أيضا رواية "السهول البيضاء".
* ماهية العالم الروائي للرباعية
ويمكن التعرف علي ماهية عالم داريل الروائي في "الرباعية الإسكندرانية" كما يطلق عليها في بعض الأحيان، في أكثر من مجال. فعلي سبيل المثال، نجد أن طريقته في تناول مدينة الإسكندرية يحمل من الغرائبية والتخييل أمورا كثيرة غير اعتيادية، ومن الممكن أن تنسحب علي أي مدينة أخرى، إذ علي الرغم من أن داريل يقدم وصفا مسهبا عن المدينة - من خلال مختلف الأماكن والميادين والمواخير والأندية الليلية والأحياء الفقيرة والشوارع الراقية - فان الانطباع العام الذي يتكون لدى القارئ في الختام هو إنها ليست صورة واقعية لمدينة الإسكندرية التي عرفناها. بل إنها تحمل لمسة أسطورية أو وجها سريا غير مألوف ولا معروف لدينا، نظرا لوجود عالم خارج نطاق الزمان والمكان بالنسبة لـ ( داريل) يمكننا أن نطلق عليه إنه عالم أزلي أو روحي، تتحكم فيه النسبية إلى حد كبير، تكون فيه الشخصيات كلا واحدا، قد يكون فيها هذا العالم متماسكا له مذاقه الخاص، وقد يكون مفككا يفتقر إلى الصدق، المهم إن شخصيات هذا العالم تمارس فيه كل ما يحلو لها من طبائع تخصها هي وحدها ولا تنسحب على باقي المجتمع المحيط بها، كما أن هذه الشريحة التي انتخبها داريل من عالم الإسكندرية الذي رآه هو من خلال رؤية خاصة، قد تكون هذه الرؤية وليدة عمله بوزارة الخارجية البريطانية، أو وليدة عشقه الخاص للمدينة، أو باحتفائه بما قرأه وتأثر به في الآداب الأخرى خاصة أعمال "هنري ميللر" و ت. س. إليوت، وغيرها من الأعمال التجريبية السردية التي كانت سببا في تطور الرواية المعاصرة. المهم أن الإسكندرية التي رآها داريل تختلف عن هذا المجتمع السكندري الأصيل التي عرفت به المدينة علي مر عصورها المختلفة، وقد تعرض لهذه الجزئية بعض النقاد والكتاب رأوا أن الرباعية لا تعبر عن المدينة إلا من وجهة نظر الكاتب فقط دون الغوص في جزئياتها الحقيقية المعروف بها المكان السكندري الذي يثير دائما إحساسا بالمواطنة، وشعورا بالإئتناس والحميمية الآنية لكل من يوجد علي أرضه. ويشير داريل إلي أن رباعيته تعالج في مجملها إشكالية "شخصية الإنسان " في أي زمان ومكان، وأنها تثير الشك في وجود مثل هذه الشخصية أصلا، فهي لا تعدو أن تكون وهما ينسجه الخيال. ويري داريل أن شخصية الإنسان كشيء ثابت محدد أمر لا وجود له، وأنها في حقيقة الحال لا تخرج عن كونها مجموعة متنافرة من وجهات النظر الثابتة التي تعبر عن حقيقة تائهة تستهدف الحياة والإنسان ونسبية الأشياء والزمن والمكان وكل ما يرتبط بمدلول الحياة وما يدور فيها من سلوكيات وممارسات إنسانية معقدة.
وتتحدث الرباعية أيضا عن مجتمع الإسكندرية كعالم مفتوح تعيش فيه كل الأجناس، وتتجاور فيه العديد من العادات والتقاليد المختلفة والمتنافرة، الحاضرة والوافدة، ويلقي لورانس داريل الضوء على أفكار شخصيات الرواية ومشاعر وأحاسيس تلك الشخصيات التي كانت تعيش في غلالة حـول نفسها، حيث يصف داريل مـن خـلال شخصيات "نسيم" و"جوستين" و"دارلي" وغيرهم من شخصيات الرواية الناطقين برؤاهم، وأفكارهم الخاصة ومشاعرهم الخاطئة وخطيئاتهم المتداخلة مع ممارسات هذا المجتمع السري الغريب، يصف الأماكن السكندرية بعشـق شديد، وحميمية ذاتية، منطقة الملاحات، شارع التتويج، شارع النبي دانيال، محرم بيه، خاصة المنطقة التي كان يعيش فيها بقصره بشارع المأمون، كل هذه الأماكن التي خبرها داريل وسار فيها وتفاعل مع عالمها الخاص قد وجدت في نسيج الرباعية بعشق وحب وحميمية، مما جعل التفاصيل الغريبة للعالم السري السكندري يبدو وكأنه يغلف المتاهة الإنسانية التي جسدها داريل ووضع فيها رؤيته الخاصة عن هذا العالم العجيب، الذي أبرز من خلال هندسته الخاصة للعلاقات المتشابكة بين المدينة وبين شخوص الرواية في صراعاتهم الإنسانية، واهتماماتهم الخاصة"، وهي كما يقول عنها الناقد فريزر: "إن الرباعية الإسكندرانية تنقيب آثاري عن الدوافع التي تقوم شخصيات الرواية بممارسة سلوكياتها الخاصة من خلالها، ومن الصعب علينا الوصول إلى الطبقة العميقة من سيكولوجية هذه الشخصيات دون العروج علي طبيعة المكان المألوف لنا جميعا (الوجه الحقيقي للمدينة) ".
إن طريقة السرد التي عمد إليها المؤلف في "الرباعية" متعددة الأشكال: فهي تفيد من العديد من الطرائق لتقديم هذا العالم الشائك، إن الصفة المثلى لهذا النسق من السرد هو الطريقة المميزة في ترتيب الأحداث وعرضها وتقديمها إلى القارئ كما جاءت بشكلها الذي كتبها بها داريل، وكما هو الحال في أعمال أسلافه من أمثال جوزيف كونراد أو فورد مادوكس فورد. فان راوي داريل (دارلي) يبدو في أغلب أجزاء الرباعية مشاركا نشيطا في الحدث ومنفتحا علي المشاكل التي يواجه بها عالمه المتغير هذا. علاوة على ذلك فإنه يبدو في كثير من الأحيان غرائبيا وبسيطا، فهو يقدم المادة بصرف النظر عن بعدها الزمني، لأنه يحدد الأسس التي سيعتمدها والتي توفرها كلمة "أهمية". وكما يقول داريل نفسه فإنه يأمل "بتسجيل التجارب الإنسانية للنص، ليس بمقتضى الترتيب الذي وقعت فيه، لأن ذلك معناه التأريخ، بل هو بالطريقة التي اكتسبت فيها أهمية بالنسبة لي ( الرباعية الإسكندرانية ص 79 ) ويشعر القارئ أثناء قراءة "الرباعية" بأن المؤلف يتلاعب بمشاعره، ويعمد إلى إيجاد شئ من التعمية. ففي الروايات الثلاث الأولى (جوستين، بلثازار، مونتوليف) يطرح داريل الأسباب التي تبدو لأول وهلة بأنها معقولة ومقنعة لتفسير وإصدار أحكام علي سلوك شخصياته، لكن في الجزء الأخير " كليه" يورد أسبابا (جديدة) أخرى من شأنها أن تزيد من تشابك المواقف وتعقيدها بدلا من توضيح أبعادها، بيد أن هذا التغيير في المنظور ليس مفاجئا تماما كما هو الحال في تكنيك "الخدعة السحرية التي يتبناه كثير من الكتاب الإنجليز وعلي وجه التحديد "وليم جولدنج" في رواياته حيث يغير المؤلف في نهاية كل رواية الصورة المجازية الرئيسية للحدث ويحولها إلى "خدع ذكية تغير الاهتمام والتركيز علي مجريات الأحداث في الرواية كلها". غير أن الفكرة التي ألحت علي داريل في تناوله لنصوصه الروائية والشعرية هي فكرة العود الأبدي للذات - للفرد أو أسلوب حياته - وهي الفكرة الوحيدة تقريبا التي تضمن للأديب أن يقف علي قمة الحياة ويستشرف آفاقها الراحلة والمقبلة علي حد سواء. وهذا يفسر إجابة داريل حين سئل عن سبب عدم تعامل رواياته مع الزمن الحاضر قال داريل: "ليس ثمة شئ اسمه الحاضر. أقصد أن الحاضر الذي نعيش ونتحرك فيه وهم مطلق. ونحن جميعا فيه أشباح مرئية وغير مرئية. وربما لا ندرك هذه الحقيقة إلا إذا كنا نياما أو حالمين". هذا المفهوم الشامل للحياة يفسر غربة الشخصيات لا عن بعضها البعض، بل غربة كل منها عن نفسه هو بالذات، الشخصيات الأربع هي: جوستين، بالثازار، ماونتوليف، كليا - يضاف إليها العديد من شخصيات الرباعية، بورسواردن المنتحر، وسكوبي الآفاق، وكفافي الشاعر، وعشرات من الشخصيات الغامضة في تاريخ الرواية، غير أن ما يميز هذه الشخصيات الأربع أن كلا منها يرى الأمور ويرويها من زاوية اهتمامه، وبذلك تتألف لدينا أربع روايات من رواية واحدة تحوي داخلها هدفا واحدا وتخطيطا محكما، فهي مشاهد أو مظاهر مختلفة من موقف أو حالة واحدة، تتداخل لحمتها في سداها لتشكل نسيجا بهي الألوان يتجمد الزمن علي حوافه، حيث تتقابل الشخصيات وتمارس الجنس بيأس المجانين، بطريقة تظهرهم وكأنهم يطرقون علي باب مغلق، وهم مقتنعون أن وراء الباب من يسمع ولا يفتح لهم. فالاستسلام الجنسي، والإغواء المحموم، والخيانات المتبادلة ليست أكثر من تعبير عن يأس فكري، أو شهوات محمومة استحالت إلى مفهومات فكرية، والأصح القول إنها فكر استحال إلى حس مرتعش.
ولقد أحدثت "رباعية الإسكندرية" تأثيرا حادا علي الرواية العربية شأنها شأن العديد من الأعمال الروائية الكبيرة التي كان لها تأثير كبير في ساحة الرواية العالمية والعربية علي السواء، أمثال "عولييس" لجيمس جويس، "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، وغيرها من أعمال ديستويفسكي وتوماس مان وفرجينيا وولف وفولكنر وماركيز وكونديرا وكافكا وغيرهم من كبار كتاب الرواية في العصر الحديث.
ولاشك أن التأثير الذي أحدثته الرباعية علي الرواية العربية قد ظهر واضحا في أكثر من نص في ساحة الرواية المصرية المعاصرة، خاصة تلك النصوص الصادرة عن كتاب سكندريين، عاشوا سطوة المكان، وبهرتهم تجربة السرد المديني بفضاءاته الواسعة المستمدة من واقع سكندري ينحدر بعض منه من أصول أجنبية كما هو الحال مع الشكل الذي ظهرت عليه الرواية الحديثة. ولا شك أن تفاعلهم مع هذا النص الرباعي المعقد، الذي كتب عن المدينة وحوى داخله مطامح شخوصه، ووقائع الصراعات الاجتماعية والسياسية الدائرة بينهم والذي انتقلت ظلاله لتنعكس علي العديد من أعمالهم الروائية وتبصمها ببصمة خاصة مفادها تجسيد طبيعة المكان السكندري الذي كانت تركيبته السكانية وواقعه الخاص هو المحرك الأساسي لكتابة الرباعية، وبالتالي ظهرت آثار هذه المنظومة الإبداعية على بعض النصوص السردية الروائية في الساحة المصرية، كذلك احتفاء بعض الكتاب بالشكل الذي ظهرت به الرباعية والتجريب والشاعرية التي احتواها نسيج هذا النص الرباعي المعقد. ومؤثرات الرباعية على النصوص السردية العربية تختلف من رؤية لأخرى ومن نص لآخر، ومن خلال اهتمامات الكاتب بما لديه من خبرات سردية متاحة في عالمه الروائي والقصصي.

الرباعية 
وتأثيرها على نجيب محفوظ

ولعل التأثير الذي أحدثته رباعية الإسكندرية على أعمال نجيب محفوظ قطب الرواية العربية يظهر في العديد من أعماله الروائية، ولكن أهم هذه المؤثرات ربما نجدها في "ميرامار" حيث أطلق عليها بعض النقاد "رباعية الأسكندرية الجديدة "، وفيها يستخدم نجيب محفوظ مجتمعا سكندريا رمزيا حديثا، وإن كان يستمد بعض أصوله من نفس الهلينستية التي استخدمها داريل في رباعيته، كذلك نجد على مستوي الشكل أن الرواية الصوتية، وهي مؤثر غير مباشر أحدثته الرباعية في البناء الفني للرواية العربية باستخدام أصوات الرواة في التعبير عن الحدث الذاتي للشخصية، وهو ما نجده موجودا عند نجيب محفوظ في روايات "أفراح القبة" و"المرايا " وربما في "الحرافيش" أيضا.
وبنسيون "ميرامار" بصاحبته السيدة اليونانية العجوز "ماريانا" الرمز الباقي للاستغلال الأجنبي، هو المكان الأساسي الذي يحتوي الحلم السكندري، والواقع المصري كله بعلاقته المتهرئة وزيفه وشخصياته الممزقة، كذلك المقهى اليوناني القديم القابع أسفل العمارة حيث يجلس الأعيان يدخنون الشيشة ويتذكرون ماضيهم الآفل، وهذا الحشد من الخواجات أمثال صاحب ملهي الجنفواز، والعدد الكبير من القوادات اللائي يقصدهن الفتي الثري في الرواية، وهن ما بين مالطية وشامية وإيطالية وسورية، كل هذا العالم الخصب الذي تلتقي فيه الشخصيات المنتخبة من واقع المجتمع الذي يبدو غريبا عن المجتمع المصري الذي ألفناه وعرفناه، والذين كان تقابلهم في هذا العالم عن طريق الصدفة سببا في تشابك العلاقات وتداخلها في واقعهم الأمر الذي أفرز مجتمعا متنافرا وغير متجانس، وعلى الرغم من علاقات التضاد والتشابه والتعاطف والنفور التي تجمعهم، فقد حرص نجيب محفوظ علي استخدام وحدة المكان من خلال أربع وجهات نظر تمثل أهم أربع تكوينات في المجتمع المصري في واقعه الذي اختاره له نجيب محفوظ، تماما كما فعل لورانس داريل في طرح وجهات النظر التي تعبر عن شخصيات الرباعية من خلال مجتمعه هو الذي يعرفه، ولعل العلاقات التي تربط شخصيات البنسيون بعضها ببعض هي علاقات قريبة من نفس العلاقات الشاذة التي تربط بين شخصيات رباعية داريل ، وكلمة "ميرامار" من أصل لاتيني، وهي بالأسبانية اليوم مكونة من كلمتين الأولي "ميرا" وتعني النظر بإعجاب ، و"مار" وتعني البحر، وميرامار هي كل مسكن أو فندق جميل يقع علي شاطئ البحر. وتذهب شبكة العلاقات التي تنمو في عالم "ميرامار" إلى تضييق حدود المكان داخل البنسيون، وتشابك الصراعات الدائرة حول الرمز الذي وضعه الكاتب للتعبير عن ماهية الحياة الذي يبحث عنها الجميع والذي رمز لها بشخصية "زهرة" الفتاة المصرية الريفية البسيطة التي يريد أن يعبث بها الجميع استكمالا لما يحدث علي مستوي الواقع، أو المعادل الجديد المغاير لمعادل "داريل" في الجزء الأول من الرباعية "جوستين"، الفتاة اليهودية العابثة الماجنة التي توظف كل إمكاناتها في سبيل القضية المؤمنة بها وهي قضية الصهيونية حتى أنها في نهاية الجزء الأول من الرواية تهاجر إلى إسرائيل لتستكمل العمل الذي بدأته هنا في الإسكندرية، هناك في أرض الميعاد كما يطلقون عليها. كذلك نجد أن تأثير الرباعية أيضا قد امتد إلى رواية "أفراح القبة"، وهي رواية صوتية تعتمد علي صوت الشخصية في التعبير عن العالم السردي للنص، والرواية مقسمة إلى أربع شخصيات رئيسية، تعبر عن هموم الشارع المصري، وزخم العلاقات الإنسانية المتشابكة التي وهج نجيب محفوظ جوانبها في هذا النص وفي غيره من النصوص السردية الروائية.

الرباعيات العربية

* رباعية الرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم
وكما ظهر قالب الرباعية في الرواية الغربية مع ظهور رباعية الإسكندرية في ساحة الرواية العالمية، ظهر القالب نفسه في الرواية العربية، وتعددت أساليب الرواية النهرية كما يطلق على الثلاثية أو الرباعية في مجال الرواية، وأشهر الرباعيات التي ظهرت في الرواية العربية هي رباعية فتحي غانم "الرجل الذي فقد ظله". ولعل تأثر رباعية فتحي غانم برباعية الإسكندرية جاء نتيجة احتفاء فتحي غانم أيضا بقالب الشكل الرباعي في الرواية وهو القالب نفسه الذي كتب به داريل رباعيته الشهيرة، وإن كان فتحي غانم قد صرح بأنه قد تأثر في كتابته لرباعيته برواية "الصخب والعنف" لفولكنر، بل وأنكر قراءته لرباعية داريل قبل كتابته لرباعيته، ولعل عناوين رباعية فتحي غانم قد جاءت هي الأخرى معبرة عن نفس أسلوب داريل في عنونة رباعيته فنجد أن عناوين "مبروكة" و"يوسف" و"محمد ناجي" و"سامية"، قد جاءت لتؤكد تأثر فتحي غانم في كتابته لرباعية "الرجل الذي فقد ظله" برباعية داريل. وتصور الرواية أربع شخصيات فقيرة في مجتمع رأسمالي تحاول كل منهم أن تتسلق لتجد لنفسها مكانا تحت الشمس والأضواء، وتروي كل شخصية من هذه الشخصيات قصة حياتها التي تلتقي بحياة الآخرين فيؤثرون فيها وتؤثر هي فيهم. ومن خلال واقع هذه الشخصيات تدور الصراعات المختلفة التي تشبه إلى حد كبير ما صنعه داريل في صراعات شخصياته في رباعية الإسكندرية، فلم تكن حياة "مبروكة" و"سامية سامي" و"محمد ناجي" و"يوسف منصور" إلا صورا ومشاهدات تعبر عن كنه الحياة التي تحياها هذه الشخصيات بطموحاتها وآمالها وممارسات حياتها، تماما كما صور داريل شخصيات شبيهه في رباعيته الإسكندرانية. ويقول فتحي غانم عن المعنى الذي قصده في رباعيته: "كنت أركز علي أن الحقيقة لها أربعة وجوه، كما وجدت أن الصورة تكتمل من خلال حركة الصعود والهبوط خاصة بالنسبة للسلم الاجتماعي، فأردت أن أصور عملية الصعود من خلال أكثر من نموذج، وحتى تكتمل ملامح الصورة، كان لا بد أن يقابل هذا الصعود هبوط". إن هذه العلاقات المتشابكة المتداخلة بين شخوص الرباعية، هي نفسها العلاقات التي جسدها داريل في رباعيته، مع الفارق طبعا في طبيعة العلاقات بين رباعيته ورباعية فتحي غانم، إلا أن الأخير قد استفاد من البناء الفني والتقنية التي استخدمها داريل في رباعيته فجاءت رباعيته، وإن كانت بها تأثيرات رباعية الإسكندرية إلا أنها تختلف عنها في المناخ والمكان والزمان والشخوص والرؤية، وإن كانت تجتمع معها في الأداة.
* رباعية الساقية لعبد المنعم الصاوي
التيمة نفسها نجدها في رباعية "الساقية" الذي كتبها عبد المنعم الصاوي في الستينيات والتي تدور أحداثها في ريف مصر حيث يعالج الكاتب من خلال رباعيته الزمن، ورمزه دوران الساقية، ومصير الإنسان المجهول، والقهر الاجتماعي، والحركة الذائبة للزمن، وقد اختار عبد المنعم الصاوي لرباعيته عناوين "الضحية"، "الرحيل"، "النصيب"، "التوبة" كرمز لدوران حركة الحياة مثل الساقية تماما، ولعل احتفاء عبد المنعم الصاوي بقالب الرباعية قد جاء من رغبته في تجسيد تشابك العلاقات الدائرة وتداخلها بين شخوص رباعيته، وإبراز عنصر الصراع الدائر في القرية المصرية بين الخير والشر.
* رباعية بحري لمحمد جبريل والوجه المصري الأصيل
كما استخدم قالب الرباعية أيضا محمد جبريل في آخر أعماله الروائية وهي "رباعية بحري" حيث احتفي محمد جبريل بالشكل نفسه الذي سبق وأن ظهرت عليه رباعية الإسكندرية، حيث الإسكندرية في وجهها المصري الأصيل بعيدا عن إسكندرية داريل بوجهها السري العنيف، وزمانها النسبي الذي يحمل في طياته ملامح أخرى غير سكندرية ومعالم مختلفة وافدة، ولعل استخدام جبريل للشكل الرباعي في روايته الأخيرة جاء بمثابة تجسيدا لعالمه المفضل الأثير، عالم الإسكندرية الرحب، مسقط رأسه، ولكن من خلال شكل رأى أنه أنسب الأشكال لتجسيد رؤيته المرتبطة بالوعاء الذي يحمل دلالة الحدث المليء بذكرياته وطفولته والتداعي القادم من حياته كلها قديمها وحديثها، ولكن بشكل بانورامي رحب واسع يليق برؤيته الذي وظف لها الوثيقة والتاريخ والحلم، وأيضا الشكل الرباعي للنص السردي الحديث، من خلال تقنية تحديد المكان كجزء عضوي في الرواية، وشخصيات لها سماتها الخاصة، ونسيج يحتوي العلاقات الإنسانية السامية والمتدنية علي السواء.
إن تأثير رباعية داريل علي رباعية جبريل تأتي من ناحية التقنية التي استخدمها داريل في رباعيته، وانعكست علي كثير من الأعمال الروائية المعاصرة، من خلال المونولوج الداخلي والممارسات الإنسانية التي احتفي بها داريل في رباعيته، وهو الاحتفاء نفسه الذي استخدمته الرواية العربية في كثير من نصوصها السردية، حيث نجد رباعية "الرجل الذي فقد ظله" والتي كانت صدىً حقيقيا لتعدد وجوه الحقيقة، حيث عزلة كل شخصية وعدم قدرتها علي التواصل مع الآخرين هو قدرها خلال رحلة صعودها وهبوطها، ورواية "رباعية بحري" وما تجسده على المستوي العام والخاص، هو بعد أبرزته هذه الرباعية لتعيد من خلاله صياغة رؤية جبريل الخاصة عن عالم الإسكندرية كما يراه هو ، بعيدا عن رؤية داريل الخاصة، وإن كان الشكل الرباعي قد استنفره، فلم يستطع إلا أن يستخدمه في التعبير عن رؤيته هو، حيث كانت العناوين الذي ظهرت بها هذه الأعمال هي عنصر الدلالة الذي يعبر عنه الحدث، وهي الصوت الذي يعبر عن وقائع الحياة وحيويتها، وفي "رباعية بحري" لمحمد جبريل نجد أن عناوين: "أبو العباس المرسي"، "ياقوت العرش"، "البوصيري"، "علي تمراز" ـ وهي أسماء لمتصوفة سكندريين ـ ويستخدم جبريل في محاور أجزاء رباعيته أقوال ورؤيا هؤلاء الأقطاب في تجسيد الحدث، وإدارة دراما النص، وتحديد ماهية رؤيته، وكذلك يستخدم تقنيات المونولوج الداخلي والفلاش باك والحلم بكثرة في إبراز وتجسيد نفس العلاقات المتشابكة والمتداخلة والمماثلة لما لجأ إليه داريل في رباعيته، حتي أن شخصية "أنيسة" في رباعية بحري تكاد أن تجد لها أبعادا خاصة في شخصية "جوستين" في رباعية داريل، كما أن شخصية "علي الراكشي"، وشخصية بورسواردن تكاد كل منهما تفصح عن نفسها في نصها السردي، حيث شخصية "علي الراكشي" هذا الصياد الفقير الذي عاني من ويلات الحياة فتمرد عليها وعلي كل من حوله، واتجه إلى طريق التصوف للبحث عن الحقيقة الكامنة في كل ما يدور حوله، وفي "رباعية بحري" نجد أن الأحداث المصيرية المتلاحقة في مصر المحروسة خاصة التي تجري علي أرض الإسكندرية هي التي تدفع بشخوص الرواية إلى خضم الأحداث، وأن رؤى الأقطاب هي الأساس في كل ما يدور علي مستوي الحلم، ثم ينعكس بدوره علي مستوى الواقع، ويبدو الحدث التاريخي كخلفية اجتماعية يتزامن معها الحدث الرئيسي مثل ذكرى توقيع اتفاقية السودان وما صاحبها من ممارسات لشخصيات الرواية. 
* الرباعية والخبرات الحسية
ثمة مؤثرات أخرى بصمتها "الرباعية الإسكندرانية" علي الرواية العربية خاصة الرواية التي كتبها كتاب سبق أن عاشوا في الإسكندرية ، انطلاقا من امتلاء الرباعية بالخبرات الحسية التي صنعها داريل من تخيله لعالمها المليء بالمشاهد البراقة والجو الأسطوري، والضجيج الشبقي، والتوتر الحسي الذي يقع في بيئة تخييلية غربية، لقد كانت الإسكندرية بالنسبة لهم هو عالم الرباعية، لذا فإن تأثرهم المباشر وغير المباشر بجو الرباعية جعلهم يبحثون في أرجاء عالمها وواقعها عن مضامين قد تتشابه، وقد لا تتشابه، مع هذا الوصف الخيالي لجو المدينة. وكما وجدت مدن كثيرة في أعمال كثير من المبدعين من خلال التأثر بروح المكان خاصة إذا كان هذا المكان له خصوصيته وواقعه الخاص مثل واقع الإسكندرية، فنجد مثلا مدينة "طنجة "، والتأثير الكبير الذي أحدثته في أعمال الكاتب المغربي محمد شكري، والكاتب الأمريكي "بول بولز" الذي قضي فيها سحابة عمره كلها، ومدينة "الإسكندرونة" وتأثيرها علي أعمال حنا مينه، والقاهرة وتأثيرها علي أعمال نجيب محفوظ، وغيرها من الأماكن المدينية التي أثرت وتأثرت بواقع الإبداع الروائي المعاصر.
* الرباعية وأعمال إدوار الخراط
وإدوار الخراط أحد الكتاب الذين نجد مؤثرات أجنبية كثيرة تتناثر وتوجد في نسيج أعماله الروائية، ولا جرم أن تكون الرباعية أحد الأعمال الهامة التي أحدثت دويا وتأثيرا كبيرا في عالمه القصصي والروائي، فالمدينة "الرخامية البيضاء - الزرقاء" عند إدوار الخراط، وهي الإسكندرية، هي طفولة "ترابها زعفران" المشعة التي تكتسح الفضاء، والتي يعيد تشخيصها، عبر التفاصيل ووصف المكان بكل ما يحتويه من وهج وميثولوجيا وما كانته المدينة في خيال وطفولة "ميخائيل" (إدوار)، ولعل العناوين التي وضعها إدوار في "ترابها زعفران" - السحاب الأبيض الجامح، بار صغير في باب الكراستة، الموت علي البحر، فلك طاف علي طوفان الجسد، غربان سود في النور، النوارس بيضاء الجناح، السيف البرونزي الأخضر، وغيرها من العناوين المليئة بالتأويلات والدلالات التي تحمل عبق المكان والزمان - هي استدعاء غير مباشر لمحتويات طفولته في المدينة وتعبير عن تداعيات الزمن والرموز المرتبطة به وبالمكان الذي عاشه ونشأ علي أرضه وتحت سمائه، وقد تحصن "ميخائيل" بالمتخيل النابع من واقعها الممزوج بقصص ألف ليلة وليلة، والروايات المترجمة، وترانيم مدارس الأحد القبطية، وهي أحلام صنعتها له واقع المدينة والحياة الاجتماعية والثقافية التي عاشها داخلها، والتي جعلته ينخرط في أحد الجماعات الثورية بعد أن شبَّ عن الطوق وبدأت أحلامه تتجسد أمامه على ساحة الواقع. نلاحظ هنا وجه الشبه فيما تذهب إليه الرباعية حين نكتشف أن جوستين ونسيم منخرطان في أعمال التجسس وتهريب الأسلحة إلى فلسطين عندما كانت تحت الانتداب البريطاني. وربما لو بحثنا في باقي إبداعات إدوار الخراط فإننا سوف نجد الإسكندرية الدارلية موجودة فيها حتى الثمالة علي الرغم من إنكاره لتأثره بجوهر الرباعية أو بشكلها التجريبي التي جاءت عليه، وهو ما نجده في "يا بنات إسكندرية"، "حجارة بوبيللو"، "رامة والتنين"، وغيرها من أعماله القصصية والروائية التي يظهر فيها التجريب والتخييل والتنوع واستخدام كافة التقنيات الحديثة التي استخدمها داريل في رباعيته المعقدة. لقد كان التجريب القائم على الوعي بمكونات الحس الفني المتطور في أعمال إدوار الخراط والذي وضح فيه تأثره برباعية الإسكندرية تأثرا وضح في معظم أعماله، كفيلا بأن يفتح أكثر من زاوية تمد المتخيل عنده بأكثر من نافذة فنية تضئ وتوهج أعماله الإبداعية وتحدد معالمه، وتجعله يتوازن مع الواقع الذي تخيله من منطلق الشكل الجديد الذي تحتويه وتؤصله نصوصه السردية، وهو ما سبق أن ظهر بالرباعية وتحددت معالمه.
* مصطفى نصر والرباعية
ومن الكتاب الذين حفرت الإسكندرية أيضا تضاريس محددة في إبداعاتهم، بحيث لا تذكر أعمالهم القصصية أو الروائية إلا وذكرت الإسكندرية، الأديب مصطفي نصر. وعالم مصطفي نصر عالم متنوع، يستمد خطوطه العريضة من الحارة والشارع السكندري في منطقة غربال، وهي منطقة لم يفطن إليها داريل حين كتب رباعيته، وإن كان مصطفي نصر قد وضع يده علي مادة خام سكندرية لأعماله الروائية استطاع من خلالها أن يقيم دعائم هذا العالم. فالسمات المشتركة بين عالم مصطفي نصر الروائي وما احتفى به لورانس داريل في الرباعية ينبع أساسا من العلاقات المتشابكة بين الشخصيات في كل من العالمين والتي تتوازى وتتداخل وتتشابك وتبدو معقدة بل وغامضة في بعض الأحيان، حتى إننا نجد أن "كاليه"، وهي الرسامة المرهفة الحس في الرباعية تعبر عن هذه العلاقات المتداخلة بقولها: "إننا جميعا تحت تأثير المجال العاطفي الذي ننشره على بعضنا البعض". وحيث نجد في الرباعية أن العلاقات غالبا تسير في جهات مختلفة متناقضة، فجوستين الفتاة اليهودية زوجة "نسيم حصناني" متورطة في علاقة جنسية مع الراوي "دارلي" المدرس الأيرلندي الشاب بالإضافة إلى علاقتها مع الروائي الساخر "بورسواردن". كما سبق أن اغتصبها "كابودستريا"، وهي قاصرة، وهي تجربة ترمي بظلالها على كل ممارساتها الحياتية، وهي إلى جانب ذلك مطلقة من زوجــها الأول "ارونتي" الذي قدم تحليلا نفسيا بارعا عن دوافعها وغرائزها في روايته المعنونة "الطبائع". أما الروائي "بورسواردن" ـ والذي يترك أثرا كبيرا علي الآخرين بعد انتحاره ـ فبالإضافة إلى علاقته الجنسية مع جوستين يرتبط بعلاقة مماثلة مع راقصة الملهي "ميلسيا"، جنبا إلى جنب مع "كلي"، وينتحر في النهاية ليفسح المجال أمام أخته للزواج من "مونتوليف" الدبلوماسي الإنجليزي الذي تعشقه. كما أن هناك شخصيات "نسيم" و شقيقه "نوروز" اللذان يلعبان دورا في هذه الشبكة المعقدة من العلاقات الإنسانية الغريبة والشاذة. حيث يقوم نسيم بدعوة الدبلوماسيين الإنجليز (بورسواردن ومونتوليف، بالإضافة إلى دارلي)، والحقيقة أنه كان يطرق على العلاقات الجنسية المبتذلة لزوجته "جوستين" (ولكن يتضح بعد ذلك أنه كان يتجسس عليهم) وأنه يستخدم "دارلي" كطعم لتحقيق الأهداف السياسية التي يرمي إليها، وهي تهريب الأسلحة إلى إسرائيل أيام الانتداب البريطاني لفلسطين. كما أن شقيقه نوروز يحمل حبا عنيفا من جانب واحد ل (كلي) لكنه يصبح مصدرا خطرا لخطط أخيه "نسيم" فيقتل في ظروف غامضة. وتقع أختهما الكبيرة "ليلى" في حب مونتوليف الذي يمثل في رأسها الحضارة الأوروبية. أما "ميلسيا" وهي عشيقة كوهين اليهودي، فإنها تكون علاقة مع "دارلي" و"بورسواردن"، وأخيرا مع "نسيم" الذي تنجب منه طفلة، وهي التي يتولي رعايتها دارلي في مستهل الرباعية.
من هذا العرض السريع لطبيعة العلاقات المتشابكة والمتداخلة في الرباعية نجد اهتمام داريل بالصراعات الإنسانية والاتكاء علي قضايا الحب والجنس والغرائز والحب المحرم والشذوذ وما إلى ذلك في عالم الإسكندرية الغامض. من المنطلق نفسه نجد أن عالم مصطفي نصر الروائي يحمل سمات مشتركة مع عالم رباعية الإسكندرية، كما نجد أن التأثير التي أحدثته الرباعية في مسيرة مصطفي نصر الروائية تبدو من خلال الأجواء المبهرة التي تتداخل فيها العلاقات المتهرئة الساقطة الموجودة بكثرة في هذا العالم الشرس المخيف التي تتوافر فيه الصراعات وتتلاحق داخله الأزمات، حيث تصبح شخصياته أقرب إلى السقوط منها إلى الصعود.
ففي رواية "الصعود فوق جدار أملس" والتي نشرت بعد ذلك تحت اسم "شارع البير"، نجد أن مجموعة من العلاقات المتداخلة و المكونة لهذا العالم العنيف المتشابك من خلال شخصية "بدرية" صاحبة اللوكاندة القائمة بشارع البير، تلك المرأة الشبقة المدمرة التي تؤثر في سائر الشخصيات، وهي تمنح جسدها لكل من يروق لها (نلاحظ العلاقة بين شخصية "بدرية" وشخصية "جوستين" في رباعية داريل)، و"فرج" عشيقها وحارسها الأمين، ثم "صابر" صديق ابنها "نبيل" الذي أرادت أن تزوجه ابنتها "عزيزة" حتى تطمئن إلى وجوده دائما بجانبها، بينما زوجها "محروس" الغائب عن الوعي من تأثير المخدرات على علم بهذه العلاقة وهو يخشي بطشها، كما أنه يحاول قتلها إلا أنه يفشل. كذلك ابنها "نبيل" الفتى الحالم الذي يصارع الطواحين، ويغمد فتاحة الخطابات في الوسادة حين يرى أمه في أحضان صديقه صابر. كذلك نجد العلاقة الخربة المتهاوية نفسها في رواية "جبل ناعسة" حين اتخذت "أنصاف" من الخواجه "أنطونيو" الذي يعمل لديه زوجها "مسعود" عشيقا لها تخدم في منزله وتمنحه جسدها حتى يكتشف ذلك "صبحي" ابنها العائد إلى جبل ناعسة ليمارس البلطجة والعنف، فيقتله ويساعده في ذلك ابنها الثاني "جابر عبد الواحد" الذي يتزوج ابنة عمه "نبيلة"، ويفشل معها جنسيا، ثم يتعرف علي الممثلة "سامية خضير"، وعن طريقها يصل إلى الشهرة والمجد الفني والأدبي، ولكن بعد أن يكون قد سقط معنويا. كذلك نجد في رواية "الشركاء" أن "سلوي محمدين" سكرتيرة "عادل رمضان"، والمرتبطة معه بعلاقة جنسية آثمة والذي يتنازل عنها بعد ذلك لرئيسه "أبو الوفا" ليرتبط معها هو الآخر بعلاقة مماثلة، تشجعها في ذلك أمها، بينما خطيبها وزميلها في العمل "صابر عبد الدايم" يعلم بهذه العلاقة ولا يحرك ساكنا. 
نمط آخر من أنماط العلاقات المتشابكة الشاذة في عالم مصطفي نصر الروائي والواضح تأثره بعالم رباعية داريل نجده أيضا في رواية "الجهيني" حيث شهوة المال والجنس تسيطر على شخوص الرواية من خلال العلاقات المتدنية للواقع السياسي والاجتماعي والممارسات غير الأخلاقية لهذا المجتمع الغارق في جنبات الجريمة بكل أنواعها (الجنس والخيانة والتزوير والرشوة والمخدرات واستغلال النفوذ ونهب أموال الدولة والقتل)، ومن خلال هذا الحشد الكبير من الشخصيات والأحداث التي تتنامى وتتنافر دراميا ويتوازى بينها السقوط اجتماعيا ونفسيا، كذلك نجد السمات والمؤثرات نفسها التي وجدت في نصوص مصطفي نصر من الرباعية توجد أيضا في أعماله التالية "الهماميل" و"إسكندرية 67" و"سوق عقداية" و"ليالي الإسكندرية" من خلال عنصري المكان والإبهار التي أحدثته الرباعية في العديد من الأعمال السردية العربية خاصة أعمال هذا الكاتب المتميز.
* الرباعية ورواية "العطارين" لمحمد عبد الله عيسى
من النصوص السردية التي يظهر فيها المكان السكندري بكل ما يحمله من خصوصية ويظهر فيه تأثير "رباعية الإسكندرية" واضحا من خلال الرؤية والنسق واستخدام المكان السكندري بفاعلية عالية رواية "العطارين" للأديب محمد عبد الله عيسي الذي وظف لها التركيبة السكانية للأجانب الذين كانوا يعيشون في هذا الحي زمن الحرب، حيث المشاعر الداخلية هي بؤرة الحدث، وحيث الارتباط بالمكان وما يدور فيه هي التجربة المحسوسة النابعة من ممارسات ساكني هذا الحي، سواء الأجانب أم المصريين، والعلاقات المتشابكة والمتداخلة بين الجميع، لذلك فإن استخدام الكاتب للرؤية السياسية والاقتصادية وتضفير الهم الاجتماعي بتلك الرؤية من خلال شخصيات "اليهود" التي تسعي للسيطرة والوصول إلى أغراضهم ومآربهم الخاصة، وهو مؤثر قوي موجود في الجزء الأول من الرباعية "جوستين"، كذلك شخصيات اليونانيين والأرمن وغيرهم من الجنسيات العائشة علي أرض الإسكندرية الذين يحتلون من المكان موقع الصدارة، ويمتهنون في حي العطارين المهن المؤثرة في المكان هو الذي جعل الحقيقة النائمة فيه تبدو كما صورها الكاتب، وكأنها قاعدة انطلاق، الغرض منها الحيلولة دون صعود الشخصية المصرية خاصة السكندرية منها. وقد صور الكاتب كيف تسلل اليهود إلى الحياة العامة في الإسكندرية تحت ستار التجارة والهرب من الاضطهاد في البلاد التي كانوا يعيشون فيها. كما جسد أيضا كيف جاء اليهود ونظموا أنفسهم في (معسكرات التحرير) كما كانوا يطلقون عليها، وكيف تعاظم وجودهم وقويت شوكتهم، وأسسوا في هذه المنطقة وما حولها محلات الرهونات والمحلات التجارية الكبرى التي تبيع كل شئ مثل "داود عدس وجاتينيو وشيكوريل وشملا" تاجروا في كل شئ حتى أعراضهم ليصلوا إلى أهدافهم، حتى إنه عندما ماتت راشيل زوجة "داود اللئيم" نعتها بأنها كانت زوجة مخلصة أدت دورها بشجاعة، مع العلم أنه كان يعلم أنها تضاجع الجنود الإنجليز علي مرأى ومسمع من جيرانها.
ورواية "العطارين" و"الرباعية" يمتلئان بالشواهد التي تؤكد ما ذهب إليه داريل من أن الغوص في هاتين الروايتين يجعلنا نتذكر من حين لآخر نوع النص الذي نحن بصدده، ونوع التأثير الذي تحقق من خلال وجهات النظر التي قد تتشابه في مواضع محددة يجمع بينها مكان واحد، وربما زمان واحد، وربما شخوص متشابهة أيضا، وهو ما يؤكده "داريل"، في الجزء الثاني من الرباعية "بلثازار" علي لسان "بورسواردن"، وهو يردد مقولته: "إننا نعيش حيوات قائمة علي حكايات تخييلية مختارة. ووجهة نظرنا في الواقع تتحدد بموقعنا في المكان والزمان المحدد، وليس بشخصياتنا كما يحلو لنا أن نتصور. وهكذا فإن كل تفسير للواقع قائم علي موقع فريد، إذ بوسع خطوتين إلى الشرق والغرب أن تغير الصورة بأكملها". ورواية "العطارين" هي إحدى الحكايات التخييلية المختارة، والتي تحمل وجهة نظر مستمدة من المكان والزمان السكندري: "قال الأستاذ لمن حوله فوق حصيرة المساء:
- إن من حق الرعايا المصريين علي الحكومة المصرية أن تعين لهم قنصلا مصريا في شارع العطارين يرعى شئونهم ويسهل أمورهم في هذا الشارع السكندري الذي يملك أمره الأجانب ويتكلم كل سكانه لغات أجنبية مختلفة.

***

إن روح المكان تتجلي في كثير من الأعمال التي اتخذت من الإسكندرية مسرحا لإحداثها تماما كما وجد داريل نفسه يتعايش مع موطنه الجديد حين وفد إلى المدينة، فتحركت شاعريته لتتفاعل مع واقع هذا المكان الجديد الذي وجد نفسه غارقا في عشقه حيث نبتت لديه الرغبة في الكتابة عن هذا المكان الغريب من منطلق تأثره بالتراث السردي العالمي المتمثل في أعمال مواطنيه من الكتاب الإنجليز، وكذا أعمال صديقه الأثير "هنري ميللر" الذي كان له تأثير كبير علي إبداع داريل الشعري والروائي، ولعل أيضا عنصر الإبهار الذي أحدثته المدينة لديه هو الذي دفعه إلى التفكير في كتابة رباعيته علي الوجه الذي ظهرت به، وهو نفس الإبهار الذي عكسته الرباعية علي العديد من كتاب الرواية في الإسكندرية وخارجها حتى أن نجيب محفوظ قد كتب روايته "السمان والخريف" قبل شروعه في كتابة رباعية "ميرامار"، وهو متأثر بجو الإسكندرية الذي كان يفد إليها كل عام في فصل الصيف، لذلك نجد أن كثيرا من النصوص السردية المعاصرة تتخذ من المكان السكندري شخصية خصبة لما يدور في أرجائها من أحداث تحدد مصير شخوصها وتجسد توجهاتهم وواقعهم ورؤاهم تجاه الذات والآخر. 
* الرباعية ورواية "أوديسا الصعود والهبوط" لمحمد الصاوي
في رواية "أوديسا الصعود والهبوط والحب" لمحمد الصاوي نجد أن الرواية تروي تاريخ المدينة من خلال الأشخاص المقيمين فيها، فهي أكثر من مدينة، أكثر من عمر، أكثر من زمن في تخييل الكاتب، تستبد الآثار بالأشخاص، من خلال البحث عن الجذور، بعد ضياع روح الإنسان في الوجود المادي، تشخص حية، لها أكثر من دلالة في رسم وتقنين أحداث الرواية، مثال ذلك الحي، حي راغب، داخل حي كرموز، ويتميز هذا الحي بالأزقة والحارات الضيقة، طابعه عمالي، تسور سماءه مداخن مصانع النسيج والغزل والخشب والصابون والصناعات الصغيرة، حي فقراء المدينة، حي أهل البلد، ماض عريق في الفتونة والبطش والخوف، حي باعة الحشيش والأفيون وسائر المكيفات، حي اللصوص والعوالم والمجانين وعقداية وفتوات جبل ناعسة القدامي، يتاخم سور جبانة عمود السواري، ينحدر ناحية باب سدرة وباب عمر باشا والبياصة، فهو حي قديم قدم المدينة، راقودة حلم النبتة الأولي والصحوة المبكرة عند كوم الشقافة، فيها كهوف البيوت الهشة ودهاليز السلالم الخشب المتآكلة، بحر المدينة القديم، شواطئه المهجورة الموحشة، قايتباي القديم، رهبنة البداية، فاروس والمكان، بذرة في بطن الحوت، إنها الإسكندرية التي صاغ منها ساردو الزمن القديم والحديث تخيلاتهم وحكاويهم ونصوصهم الروائية.

***

لقد كانت الإسكندرية هي المستفيد الوحيد من نثر داريل، فهو يرتد إليها منجذبا إلى أوجهها المختلفة المتغيرة كما كانت في أواخر الثلاثينيات وأثناء الحرب العالمية الثانية. إن الإسكندرية عنده مدينة مفتوحة أساسا، حيث كل تنوعات الخبرة، وهي أمر ليس مسموحا به فحسب، وإنما تكاد تكون فرضا لزاما، إنها مدينة تتسم بـ "عماء الجسد والحمي، وحب المال والصوفية وغيرها من أوجه الحياة المختلفة"، حيث تتعايش أجناس مختلفة، ويكرر داريل أن الخلق أو الشخصية من خلق المكان. 
ولا شك أن كثيرا من مبدعي القصة والرواية السكندريين قد تأثروا برباعية داريل بصورة أو بأخرى، من خلال تناول المكان السكندري بكل ما يحتويه من زخم في العلاقات وتشابك وتداخل الممارسات الإنسانية ، حيث عالم إبراهيم عبد المجيد الروائي، وعالم محمود عوض عبد العال، وعالم سعيد بكر، وسعيد سالم، وغيرهم من المبدعين السكندريين الذين وضحت على أعمالهم بصمة رباعية داريل حيث رقعة الإمكانات البشرية في معصرة الحب الكبرى الذي كان يطلق عليها داريل.
المراجع 
رحيل مؤلف رباعية الإسكندرية لورانس داريل، د0 ماهر شفيق فريد، القاهرة، ع110/111 ديسمبر 90 ، يناير19910
التكنيك في الرباعية الإسكندرانية، صبار سعدون السعدون، الأقلام، بغداد، ع9 س 24 ، أيلول 1989
إشكالية المكان في النص الأدبي، ياسين النصير، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد 1986 
لورانس داريل، من "رباعية الأسكندرية" إلى روح المكان أبطال في الصيرورة، دراسة في الرواية العربية والمعربة، محيي الدين صبحي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1980

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

ببليوجرافيا الروائي الإنجليزي 
لورانس داريل

لورانس داريل
يتحدث عن فنّه الرّوائي

جوستين 
والشخصية الإسرائيلية

مؤثرات رباعية الإسكندرية 
على الرواية العربية

قراءة أخرى لـ
"رباعية الإسكندرية" 

فورستر وداريل
والإسكندرية: تاريخ ودليل

رواية حية 
رباعية الإسكندرية: جدة وأصالة خالصة
الإسكندرية "مدينة المدن" في خيال الشعراء

من رسائل لورانس داريل

مختارات من ديوان "شجرة الخمول"
وقصائد أخرى للورانس داريل


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان