




















  
|
 |
 |
لورانس داريل
يتحدث عن فنّه الرّوائي(1)
رباعيتي: رقصة ذات أربعة أبعاد
|
|
|
|
جرت هذه المقابلة في منزل داريل في فرنسا، في الثالث والعشرين من نيسان (إبريل) 1959، يوم مولد شكسبير ومولد سكوبي أحد أشخاص "الرباعية"،
وتحدث داريل فيها أول الأمر عن حداثته وشبابه: ولد في الهند سنة 1912، وأرسل إلى إنجلترا وهو في الثانية عشرة، وبدأ يضع في السادسة عشرة أول كتبه وأتمه بعد عامين، وجرب الالتحاق بجامعة كيمبردج لكنه فشل.
ـ وما الذي فعلته بعد فشلك بالالتحاق بجامعة كيمبردج ؟
داريل: كان يصلني مرتب لمدة من الزمن، فسكنت في لندن، وتعاطيت اللعب في البيانو في ملهى ليلي ـ إلى أن أغار رجال الشرطة على الملهى، ثم عملت سمسار أملاك، وكانت مهمتي أن أدور لجمع الإيجارات ـ إلى أن عضتني كلاب عضات شنيعة، واشتغلت بعدها في عدد من الأشغال، والتحقت لمدة بسلك البوليس في جميكا، ولقد كنت أريد على الدوام أن أكتب، بالطبع، كتبت عدداً من الأشياء، لكني لم أنجح في نشر أيّ منها، فقد كانت سيئة جداً، أعتقد أن كتّاب اليوم يتعلمون أصول فنهم أسرع بكثير مما كنا نفعل، أعني أنه كان أسهل عليّ وأنا في سنهم، أن أطير من أن أكتب جيّداً، وقد بدأت أكتب وأنا في سن الثامنة.
ـ كم لبثت في لندن قبل أن تعقد النية على هجرها ؟
داريل: كان والداي يؤمنان بأنه ما من عمل محترم إلا في إحدى وظائف وزارة المستعمرات أو في الجيش، وكانت أقصى أمانيهما أن التحق بوظيفة مدنية في الهند، أحمد الله أني نجوت من ذاك المصير، وأعتقد أني خلال ثلاث سنوات رسبت في عدد من الامتحانات يفوق ما رسب فيه أي سواي في وزني وطولي وحجمي ومن ديني، غير أن والديّ اللذين كانا يرسلان لي مقادير كبيرة من المال، لم يعرفا أني كنت أنفقها كلها في الملاهي الليلة وعلى السيارات، وقد عرفت أوربا للمرة الأولى عندما قمت برحلة إلى سويسرا، وأثناء عودتي عرجت إلى باريس لمدة ثلاثة أيام، جعلتني أهتدي إلى أوربا، بعد هذا لم أعد أعبأ بمسألة الدراسة وسافرت رأساً إلى باريس.
ـ أفي ذلك الوقت تعرفت على هنري ميللر ؟
داريل: لا، تعرفت إليه بعد هذا بوقت طويل، فقد بقيت في باريس فترة وجيزة، عدت بعدها لأقنع أهلي بوجوب مغادرة إنجلترا ـ وقد أقنعتهم بفكرة السفر إلى اليونان، فسبقتهم إليها والتحقوا بي بعدها بعام، وبقيت في كورفو خمس سنوات أو ستاً، حتى ابتداء الحرب، وتزوجت في تلك الأثناء، وعملت في أعمال متعددة.
ـ ومنذ ذلك الحين لم تسكن في إنجلترا قطّ، أليس كذلك ؟
داريل: لا، لم أسكن، لم أستقر في إنجلترا، كنت أصرف ستة أشهر من حين لآخر، فأنا لا أستطيع أن أتمتع فيها إن لبثت فيها أطول من ستة أشهر، أرى أصدقائي خلالها وأُدعى إلى حفلات كثيرة، ويسرّ صحبي لرؤيتي، إلى ما هنالك، لكن عليّ أن أعترف أني منذ عامي الثامن عشر كنت وما أزال أوربياً، وأعتقد أن عدم كوننا أوربيين إنما هو نقص خطير في قومنا، قد يبدو هذا دليلا على لا وطنيتي، لكن المؤلفين الذين اتخذهم جيلي أبطالاً له، أمثال لورنس ونورمان دوجلاس والدنجتون واليوت وجرفز، كانوا يطمحون دوماً إلى أن يكونوا أوربيين، لم يؤثر هذا في إنجليزيتهم في شيء، لكنهم أدركوا أنه لا غنى عن النار الأوربية لإشعال الكومة الجامدة المبتلة التي يصحبها المرء إن عاش في قريته.
ـ أيّ الظروف أكثر ملاءمة للكتابة بالنسبة لك ؟
داريل: لم أكتب قط في ظل ظروف مريحة فعلا، في آخر مرة قدمت فيها إلى فرنسا، لم أكن أملك سوى 400 جنيه، وكانت عليّ ديون كثيرة، كالأقساط المدرسية وأشباهها، وقد دام انتظاري طيلة خمس عشرة سنة "للرباعية" حتى تتكون وتستكمل نموّها، وعندما تلقيت الإشارة التي تعلن اكتمال هذا الشيء اللعين وأنه ما عليّ إلا أن أكتبه، كنت اجتاز أسوأ فترة من فترات حياتي، إذ لم يكن لي عمل ارتزق منه، ولا مورد لديّ غير مكافأتي الزهيدة.
ـ هل لنا أن نسألك كيف تكتب ؟
داريل: إنني استعمل الآلة الكاتبة.
ـ هل تجد الكتابة مهمة شاقة، شأنك في ذلك شأن دارلي في "بالتازار ؟ فهو يقول مثل: "إنني أكتب ببطء شديد، متحملا الكثير من العناء .. وأكون سجين الروح كما هي الحال مع جميع الكتاب .. وما أشبهني بسفينة في قارورة، تمخر إلى لا مكان". هل في هذا تعبير عن شعورك أنت بالذات ؟
داريل: كلا، دعوني أكشف لكم أنه في مدى السنوات الثلاثة الماضية، أي إبان
فترة متاعبي المالية الهائلة، لم تستغرقني كتابة "الليمون المرّ" أكثر من ستة أسابيع، ودفعت بها إلى المطبعة دون أن أصحّح فيها شيئاً، عدا الأخطاء الطباعية، وتم نشرها بصورتها الأولية، أما "جوستين" فقد تأخرت كتابتها بسبب الغارات، ولكني انتهيت من إعدادها في غضون أربعة أشهر، في الواقع لقد استغرقت كتابتها مدة سنة، ولكني أسقطت من حسابي الفترة التي انصرفت خلالها عن "جوستين" إلى وظيفتي في قبرص، واستغرقتني "بالتازار" ستة أسابيع، كما كتبت "ماونتوليف" في غضون شهرين، و"كليا" في سبعة أسابيع. حين يكون في ضائقة مالية عصيبة، تجدك تفكر في الكتابة على أساس أنها وسيلة لكسب العيش، فتعقد عزمك عليها، وتقوم بأدائها، واعترف أنني لم أغيّر شيئاً في المخطوطات الأصلية لأية من هذه الروايات فيما عدا "ماونتوليف" لأن التصميم فيها أزعجني بعض الشيء، فعمدت إلى غرز لفقة هنا ورقع هناك، وباستثناء هذه التعديلات، ذهبت المخطوطات الملعونة إلى المطبعة كما هي، وقمت طبعا بتصحيح الأخطاء الطباعية.
ـ يبدو نثرك متقن الحبك وبالغ الإتقان، فهل تكتبه على السليقة والطبع دون أن تتكلفه ؟
داريل: نثري غضّ كثير العصارة، ولربما أفادتني بعض المخاوف المالية وما شاكلها في التخلص من هذه العصارة الزائدة وفي جعل نثري أكثر وضوحا.
ـ لماذا وقعّت "الربيع المروع" باسم مستعار ؟
داريل: حصل ذلك بسبب السمعة السيئة التي أحرزتها روايتي الأولى، فلقد بلغ من سوئها أن اشترطت عليّ دار النشر الجديدة التي تحولت إليها بعد دار النشر السابقة أن أمحو ماضيّ وابدأ من جديد، باسم جديد، ولكنها بعد أن اطلعت على روايتي "الكتاب الأسود" أقرّت بأنني كاتب جيد واستحق أن أعلن اسمي الحقيقي، فسمحت لي بالعودة إلى النشر باسمي.
ـ هل تعتبر "الكتاب الأسود" مهمّاً في سياق تطور سلسلة "جوستين" ؟
داريل: اعتبره مهمّا في هذا التطور من زاوية واحدة فقط، هي زاوية كونه مهمّا في تطوري أنا، وأعني بذلك تطوري الداخلي، فقد كان "الكتاب الأسود" أولى محاولاتي لتحطيم العقبات، لكني في الواقع لا أعتبره كتابا جيّداً، وأرى أن بعض أجزائه مغرقة في فحشها، ولا أعتقد أنني سأكتبها بالطريقة نفسها لو قدّرت لي كتابتها الآن، ولكن، كيف أعبّر عما فعلت فيه ؟ لقد قمت بعرض نفسي في الصميم وتفحّصها من كافة الوجوه في ذلك الكتاب، وقد تكرم اليوت فأطراه إطراء بالغا، لكن ما أطراه لم يكن الكتاب وإنما اجتيازي، وأنا فتى في الرابعة والعشرين، نوعاً من الأزمة الخاصة حدت بي إلى تأليف الكتاب، وذلك ما كان صدقا وليس الكتاب بحدّ ذاته، لقد كسرت القشرة الصلبة في ذلك الكتاب، وفجرت الحمم البركانية، وكان عليّ أن استنبط أسلوباً أتمكن بواسطته من كبح جماح هذه الحمم، فلا تسيل فوق كل شيء ولا تحرق كل شيء، بل كان عليّ أن أحفر لها قناة لتجري فيها، وقد ظلّت مشكلتي هذه قائمة في السنوات العشر اللاحقة.
ـ أيّ كتبك أحبُ إلى نفسك ؟ وعن أيها أنت بالغ الرضا ؟
داريل: (بعد صمت قصير): إنني أعاني غثيانا مقيتا بسبب كتبي، واستعمل "غثياناً" بالمعنى المحسوس الصرف، ولربما بدا هذا ضربا من السذاجة أو البله، ولكن الواقع أنني أكتب بسرعة مذهلة، واقتحام المناعة أو المقاومة الداخلية يشبه إلى حدّ بعيد مرورك بالمحطات الكثيرة حين تواصل تحريك مؤشّر المذياع، وعندما تصبح كتابتي جاهزة مصفوفة يعتريني غثيان فظيع إذ أتطلّع إليها، وحين تعود الملازم من المطبعة للمراجعة فإنني أضطر إلى تناول قرص من الأسبرين قبل أن أتمكن من مراجعتها، وكثيراً ما الجأ إلى شخص ما للقيام بمهمة التنقيح والمراجعة، ولست أفقه كنه هذه الحالة، بل إن كل ما أدريه هو أنني أصاب بغثيان، ومن المحتمل أن أتمكن يوماً من قراءة ما كتبت، دونما حاجة إلى الاستعانة بالأسبرين، وذلك إذا ما قدر لي أن أكتب شيئاً أرضى عنه كل الرضا.
ـ سبق أن ذكرت انتظارك "وصول" "الرباعية" طيلة خمس عشرة سنة، كما ذكرت شيئاً عن الإشارات التي تبلغك عن وصولها، فهل لك أن تشرح ذلك قليلا ؟
داريل: إن ما أشرت إليه ضرب من الإحساس الحدسي بنذير يوحي إلى المرء بأنه سيرفع على منكبيه شيئاً خاصا، يوماً ما، لكن على المرء أن يتذرع بالصبر وينتظر هذا الشيء حتى يستكمل نموّه، لا أن يحاول القبض عليه في مرحلة تكوّنه الباكرة حين لا يزال هلاميا وقبل أن يتمّ استقراره بصورته النهائية، لأنه إن فعل ذلك دمّر هذا الشيء لتعجيله في إخراجه قبل أوانه وبشكل غير تامّ، وهنا يكمن سبب تعلقي بالعمل في السلك الخارجي لفترة طويلة ـ فقد دأبت في هذه الفترة على كتابة مواضيع مختلفة للاحتفاظ بالمحرّك في حالة عمل ونشاط، ولكنني كنت انتظر تلقي الإشارة صابرا، وفجأة أحسست أنني أمتلك هذا الشيء الذي انتظرته طويلا، وأن اللحظة الحاسمة لإخراجه قد حانت، فضربت ضربتي ـ أو على الأقل أرجو أن أكون قد فعلت.
ـ هل الشخصيات التي يتكرر ظهورها في رواياتك حقيقية واقعية أم خيالية روائية ؟
داريل: أظنها خيالية وليست واقعية، ويكاد يختفي كل أثر للسيرة الذاتية منها، ولا يعثر على السيرة الذاتية إلا في المشاهد والأماكن وفي الجوّ العام، ولا أظن أن القارئ يدرك تمام الإدراك المدى المحدود لتجاوب الفنان، فالتصوير السائد هو أن تجارب الفنانين مطلقة وغير محدودة، ولكنني أعتقد أنهم في الواقع كليلو الطرف، يشبهون الخلند في ضعف البصر، وحين يحصر الروائي اهتمامه في نطاق إمكاناته فحسب فسيستغرب مدى ضآلة معرفته بالحياة، ورغم ما قد يبدو في هذا القول من تناقض أجدني مؤمنا بصحته. إني اعتقد أن تضخيم المواهب يضخّم العيوب أيضا، ويكمن عيب من أبرز عيوبي في مجال الرؤية أو البصر، فأنا مثلا لا أستطيع أن أتذكر أيّة من الأزهار البرية التي أكتب عنها بحماسة شديدة في الجزر اليونانية، بل أجدني مضطراً للبحث عنها، وقد أخبرني دلن طوماس أن الشعراء لا يستطيعون التعرف مباشرة إلا إلى نوعين من الطيور هما أبو الحن والنورس، أما بقية الأنواع فقد كان مضطرا للبحث عنها هو أيضا، ومن هنا لا أراني متفردا في عيبي هذا، فعليّ أن أعيد النظر وأواصل التدقيق في انطباعاتي دوما.
ـ هل ترى أنك تأثرت تأثراً خاصاً بأحد من الكتاب في مؤلفاتك ؟
داريل: لست واثقاً كل الثقة من استعمال كلمة "تأثر": لأنني أنقل ما يعجبني أو أنا ألطش ما يروق لي، وكلمة "تأثر" توحي بتسرّب مواد لكتّاب غيرك وامتزاجها بمؤلفاتك دون أن تكون واعياً لهذا التسرّب وعياً تاماً، أما أنا فإني لا اقرأ للمتعة فقط بل اقرأ كرجل عامل، وحيثما وقعت على أشياء استحسنها أجدني أتعمّق فيها وأحاول أن أعيد كتابتها، وبهذا القياس يمكن اعتباري أطول اللصوص باعاً، إذ أنني أسرق من غيري ـ وأقصد بغيري من يفوقني جودة. إن كتابي "الربيع المروع" يبدو لي فظيعاً، لأنه عبارة عن مجموعة منتخبات: ففيه خمس صفحات من هكسلي هنا وثلاث صفحات من الدنجتون هناك وصفحتان من روبرت جريفز وغيرهم ـ أي أنه في الواقع يحتوي على منتخبات لجميع الكتّاب الذين يعجبونني، لكن هؤلاء الكتّاب لم يؤثروا فيّ، بل أني لطشتهم وأنا في مرحلة تعلّم المهنة، ويشبه عملي هذا ما يقوم به الممثل حين يدرس ممثلاً متفوقاً عليه ويستفيد منه في ميدان الماكياج أو طريقة المشية أو غير ذلك، ثم يستغل ما تعلّمه في إتقان دور لم يخطر بباله حينذاك، فالممثل لا يعتبر مثل هذا العمل تأثراً خاصاً بالممثل الذي أخذ عنه، وإنما ينظر إليه على أساس أنه من مقتضيات إتقان المهنة التي يرى لزاماً عليه أن يتقنها.
ـ هل تعتبر "الرباعية" طرفتك الكبرى ؟
داريل: نعم، إنها تقع في أعلى درجات السلم التي أستطيع أن أرتقي إليها حاليا، وقد بذلت مجهوداً لا يستهان به في كتابتها، وأنني لأفخر بها فخراً خاصا، لأنني تمكنّت من تأليفها في ظل الصعوبات التي مرّ ذكرها، ولهذا السبب أستمد منها لذة إضافية، رغم أني قد لا اقرأها ثانية أبدا، ولكنني لا أعرف قيمتها النسبية، وما يثير اهتمامي بها هو الشكل.
ـ أوردت في مقدمة "بالتازار" أن الموضوع الرئيسي الذي يدور عليه الكتاب هو استقصاء للحب العصري.
داريل: أجل.
ـ إن هذا الأمر يتجلى قي "جوستين" و "بالتازار"، ولكن التركيز يتغير تغيراً تاماً في "ماونتوليف".
داريل: التغير الوحيد الذي طرأ هو الانتقال بالموضوع من حيّز الذاتي إلى حيّز الموضوعي، ففي "ماونتوليف" يقوم بالسرد راوية مجهول، بينما في الروايات الأخرى يقوم به أشخاص لهم علاقة بالأحداث التي تجري فيها.
ـ ما هو شعورك بالنسبة لقول أحد النقاد: "موضوع الرواية، الخفي لحدّ، هو الفن، أعظم موضوع لدى الفنانين المعاصرين" ؟
داريل: موضوع الفن هو موضوع الحياة ذاتها، وأن هذا التمييز المفتعل بين الفنان والإنسان العادي هو أساس ما نعاني منه جميعا، فالفنان إنسان عادي يقوم بمهمة البحث والاستقصاء والتنقيب في ميادين هي في متناول أيدي الناس جميعا أينما كانوا، ثم يعرض نتائجه كنماذج مفزعة ليظهر للناس ما يمكن أن تؤول إليه أحوالهم.
ـ إن في مؤلفاتك الكثير من الكتّاب: بيرسواردن ودارلي
وارناؤوطي وبالتازار ومؤلف "ماونتوليف" ـ فأي هؤلاء يعبّر تعبيراً خاصا عن وجهة نظر الفنان للأشياء ؟
داريل: أدرك ما يرمي إليه السؤال، ولكنني أعتقد أنه سؤال نابع من هذا التمييز المفتعل الذي يجعل الفنانين وكأنهم من طينة غير طينة البشر العاديين.
ـ هل لك أن تخبرنا عن بعض الأفكار التي تتجلّى في "الرباعية" ؟
داريل: سأحاول أن أعرض الأفكار التي تكمن خلف هذه "الرباعية" والتي لا تؤثر عليها كمادة ممتعة للقراءة، إن الميتافيزيقيا الغربية والميتافيزيقيا الشرقية في سبيلهما إلى الالتقاء والتشابك على نحو فريد، ورغم ما قد يبدو من غرابة في هذا الأمر فإن فرويد وإينشتاين هما العاملان الأبرزان اللذان مهّدا له السبيل، فقد هدم اينشتاين نظرية العالم المادي ـ أو بتعبير آخر النظرة إلى المادة ـ التي كانت سائدة في العصر الفكتوري، كما هدم فرويد نظرية الذات الثابتة غير المتبدلة، مما أدى إلى تحلل أو تفكك الشخصية، وينتج لدينا عن الفرضية الاستمرارية
الزمانية ـ المكانية تصورٌ جديد مغاير لما سبقه من التصورات حول كنه الحقيقة ومظاهرها، وأنني اعتبر "رباعيتي" رقصة ذات أربعة أبعاد، أو هي قصيدة النسبية، والطريقة المثلى الواجب اتباعها في قراءة هذه "الرباعية" هي أن تقرأ الأجزاء الربعة متواقتة، كما أشرت في خاتمة السلسلة، ولكن مثل هذه القراءة متعذرة لافتقارنا إلى أجهزة تيسر لنا رؤية ذات أربعة أبعاد، ولهذا السبب يترتّب على القارئ أن يقوم بمواقتة هذه الروايات وضبطها في مخيلته، مضيفا البعد الزمني إلى الأبعاد الثلاثة الأخرى ومحلّلا هذه الأبعاد كلها في فكره، وأنا أدعو المرتكز الذي يقوم عليه بناء "الرباعية" بالاستمرارية، ولكنها في الواقع نوع من الكشف أو الإيضاح لما يحتمل أن تكون عليه الرواية الاستمرارية.
ـ ألا تعتقد أن نشر "جوستين" قبل بقية السلسلة أدّى إلى تكوين انطباعات خاطئة لدى القراء عن السلسلة عامة ؟
داريل: لو لم أكن في مأزق مالي، لقمت بكتابة "رباعيتي" بالطريقة المثلى كما أراها، وذلك بأن أؤلف الروايات الأربع وأنسّق بينها تنسيقا وثيقا، لأنني أجد فيها الكثير من عدم التنسيق والتوافق الذي يترتب عليّ التخلص منه إذا ما ضمّت هذه السلسلة في مجموعة واحدة، ولكن حاجتي للمال دفعتني إلى تأليفها واحدة أثر أخرى، ومن ثمّ فإن هناك أمرا آخر أود أن اعترف به: أثناء قيامي بهذه التجربة لم أكن واثقا من إمكان تحقيقها، كما لم أكن أدري إن كنت أنحت في الشجرة المطلوبة أم لا، ولذلك كنت على أتمّ الاستعداد للتخلي عن السلسلة كلها واعتبارها فاشلة، لو أنني شعرت في أية مرحلة أنه لا قبل لي بها أو أنني لا أقوم بتأليفها كما يجب وأن عملي سيصيبه الإجهاض، وقد تناولت في هذه السلسلة معالجة الثلاثة أبعاد المكانية والبعد الزمني الواحد بالطريقة ذاتها التي يتناول بها أحد الطباخين كتابا في الطهي ويقول : "فلنجرب هذا الطبق في طبخ لحم الفخذ" ولم تكن لدي حينذاك أية فكرة عن نتائج تجربتي، ولا زلت أجهل نتائجها حتى الآن، لكن رغم جهلك بالنتائج فإنك لا تتردد أحيانا في انتهاز الفرصة إذا ما لاح لك شعاع من النور يومض لك بشكل خاص.
ـ هل تخطط لرواياتك مقدّما ؟ وإلى أيّ مدى ؟
داريل: إنني لا أقوم بتصميم مخطّطات محكمة لرواياتي، بل اختزن قدرا معينا من المواد، والمحذور الذي يواجه الكاتب في مثل هذه العملية هو أن تتحول كتابته إلى تطبيق ميكانيكي لمادته داخل الشكل أو الهيكل المعين، وبما أنني كنت احتفظ في مخيلتي بصورة واضحة للشكل الذي أبغيه، توخيّت أن تنبض رواياتي بالحيوية إلى أقصى درجة ممكنة، ولهذا السبب كنت مستعداً على الدوام أن أتخلى عن كل المادة التي اختزنتها وألقي بها في عرض الطريق من أجل أن أضمن لرواياتي أن تحيا حياتها الخاصة في جوها الخاص، وعلى هذا الأساس يمكنني القول إنني لم أخطّط مسبقا لأكثر من ثلث المادة التي احتوتها رواياتي.
ـ ماذا ستنتج بعد "كليا"، أو بعبارة أشمل بعد سلسلة "جوستين" ؟
داريل: ليست لديّ فكرة محدودة عما سأقوم به، ولكني واثق من أنني سأحاول التجديد في الشكل مهما كان نوع العمل الذي أقوم به، فإن أنا أفلحت في الأشكال أفلحت في كل شيء.
ـ لقد وصل إلى سمعنا أنك تفكّر في كتابة رواية هزلية.
داريل: لديّ فكرة تصلح موضوعا لرواية هزلية، وتلوح لي بعض أطياف لشخصيات مضحكة، ولكنني لا أريد أن أعالج هذا الموضوع ـ إذا عالجته ـ وأنا تحت وطأة ضغط أو كبت فكري، لأن ذلك قد يضفي عليه طابع الهزل والإضحاك المفتعل، الذي أجد أني أحرص على تجنّبه كما يُتجنب الطاعون، لكن من المشاكل أنه لا يُسمح لي بأن أنحطّ إلى المستوى السوقي البذيء الذي أريد، فالرواية الهزلية الناجحة ـ في رأيي ـ يجب أن تكون سوقية بذيئة إلى جانب كونها تهكمية ساخرة، لأنك لن تصل إلى التهذيب والدماثة الحقيقية إلا عن طريق الابتذال، كما أنك لن تبلغ رقة الإحساس وشفافيته إلا عن طريق الفسق والمجون، فلو أنك تخليت عن المجون تخليا تاما لأصاب قصيدتك الغنائية الضعف والهزال، ولن أرضى مطلقا بتأليف كتاب يبعث على الابتسام الخفيف ويتّسم بحدة الذكاء، مع اعترافي بأن بعض الكتاب وفّقوا في سلوك هذا السبيل، من أمثال افلين وو في كتابه "الحبيب" وهو من الروائع التي أظن أن سويفت كان يفخر بتأليفه لو أنه عاش في عصرنا الحاضر، ولكني أودّ أنا أن أبقى إلى جانب رابليه: وأريد أن أكون فظّا خشنا وهازلا سوقيا، ولست أدري إن كان هذا الأمر ممكنا، أو أني سأفلح فيه، أو أنه سيكون كتابا خاليا من الذوق وليس له من الميزات الأخرى ما يشفع له، وسيترتّب عليّ مواجهة جميع هذه المشاكل، إنها بالنسبة لي مشاكل تنبع من الشكل، لأن ما يهمّني من أمرها هو التغلب عليها ضمن شكل أو إطار يحتويها، كما أرغب في تأليف مسرحية أخرى، فأنا أعتبر أنه مقدّر لي أن أكون كاتبا مسرحيا، ولقد كان الفشل نصيب مسرحيتي الأولى، ودام انتظاري للعثور على من يمثلها على المسرح طيلة خمس عشرة سنة، ولكني سأتمكن بفضل الألمان من مشاهدة هذه المسرحية وهي تمثل على المسرح، لن تكون كاتبا مسرحيا حقّا إلا بعد أن تجتاز تجربة مشاهدتك لتمثيليتك وقد أُخرجت على المسرح، وليس بعيداً أن استاء من هذه التمثيلية لدرجة تجعلني انصرف كلية عن كتابة هذا اللون من الأدب، كما أنه من المحتمل أيضا أن تثير مشاهدتي لهذه المسرحية ممثلةٌ الحماس في نفسي إلى درجة تستهويني معها المسرحية كشكل، فانصرف إلى تأليف العديد من المسرحيات.
ـ نراك تعود إلى ذكر الشكل، فهل يستأثر الشكل بالمقام الأول من اهتمامك، مهما يكن نوع الفن الذي تعالجه ؟
داريل: أعتقد ذلك، إن الشكل يستحوذ على اهتمامي أكثر مما يستحوذ على اهتمام الغالبية العظمى من الناس، وقد يكون السبب في ذلك أنني لا أمتلك الكفاية من الشخصية لأحفل بها وأعرضها، وقد يدل اهتمامي بالشكل على أن موهبتي من الدرجة الثانية ـ وأقول هذا جادّا لا متواضعا، أنه يتوجّب على الإنسان أن يواجه هذه الأشياء كلها، وليس كونك فنانا من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة بأمر ذي بال، وإنما الأهمية الأولى تكمن في أن تعرف كيف تسيّر المياه في مجاريها وأن تبذل غاية جهدك لاستغلال إمكاناتك التي وُهبتها، وأنه لا يجديك نفعا أن تحاول بلوغ ما هو فوق طاقتك، كما أنه من قبيل اللاأخلاقية أن تجحد قيمة مواهبك وتهملها، ومن هنا أنني لست مهتما بالفنان اهتماما جذرياً، بل أحاول استغلاله من أجل أن أصبح إنسانا سعيدا، وهو أمر ـ بالنسبة لي ـ أكثر صعوبة من ممارسة الفن، فأنا أجد الفن سهلا، ولكني أجد الحياة شاقة.
1 ـ قام بهذه المقابلة للورانس داريل كل من جوليان متشل وجيز اندرفسكي عن مجلة "ذي باريس ريفيو"
|
|
|
|
|
|