رواية حية (*)

رباعية الإسكندرية: جدة وأصالة خالصة
الإسكندرية "مدينة المدن" في خيال الشعراء

 
بقلم: هيلاري كورك

في ربيع كل عام، وفي انتظام كانتظام الفصول، يفتح كل ناقد منقاره كما يفعل طائر الوقوق الإنجليزي، ولكن في صوت أقل رخامة من صوته، ليعلن أن الرواية، كفن من فنون الأدب، قد انتهت وفنيت وماتت، ولم يبق لنا إلا أن نلفها في كفنها بكل ما يقتضيه الموقف من وقار، وكل ناقد بالطبع يبدي استعداده لكي يوشي الكفن بوشي منمنم لقاء ثمن بخس، ونحن قد يصح لنا أن نقول، دون أن نوغل في التحليل النفسي، إن هذه الآراء تصدق عن قائليها أكثر من أن تكون تصويرا صادقا للموضوع الذي يبحثون، فإن قالوا إن الرواية قد ماتت، فإن ذلك يعني أن مواهبهم هي التي ماتت أو ولدت ميتة، وإن رأوا أن لا مستقبل للرواية، فإن ذلك يعني فقط أنهم أنفسهم لا يملكون طاقة الخيال اللازمة لابتداع مستقبل لها، وأنهم تنقصهم العبقرية اللازمة للكشف والتنقيب، ومع ذلك فإننا، إن تركنا النقاد جانبا ونظرنا بدل ذلك إلى الروائيين وإنتاجهم، سنرى أن الرواية، كنوع من أنواع الأدب لا نهاية لحيويته وتنوعه، أبعد عن أن تكون ميتة أو حتى راكدة، بل هي في أيدي أكثر الروائيين حيوية، مستمرة في التطور في ميادين غريبة ووجهات جديدة لم تطرق من قبل، وتلك حقيقة لا شك فيها، وعلى الأخص في فرنسا، حيث وجد الكتاب، من أمثال ناتالي ساروت، ومارجريت دورا، وآلان روب جربيه، طريقهم إلى مجالات غاية في الجدة، وقد يكون ذلك أقل ظهورا في إنجلترا، حيث يميل كبار الروائيين اليوم إلى الطرق المألوفة التقليدية، من أمثال آنجس ويلسون وسي. ب. سنو، أو حتى جماعة "الشبان الحانقين" الذين يتمسكون في ثبات بالمنهاج القديم، وإن كانت نظرتهم وآراؤهم نتاج جيل جديد، ومع ذلك يوجد بالطبع بين الروائيين الإنجليز من يحاولون التجديد، فمنذ عهد قريب انتهى واحد منهم، هو أكثرهم استعدادا وكفاءة، من كتابة ما قد يكون أهم عمل فني في ميدان الرواية في أوربا كلها منذ انتهاء الحرب، وأقصد الروايات الأربع "جستين" و"بالثازار" و "ماونتوليف" و "كليا" التي تكون معا "رباعية الإسكندرية" من تأليف لورانس داريل.

ولا بد لنا توا وفي البداية أن نقول إن هذه الروايات لا تظهر في أول وهلة "تجديدا" واضحا بالمعنى المألوف لهذه الكلمة عند العامة ـ المعنى الذي يقصده كتاب الصحف والهواة من النقاد ممن يهتمون "بالشخصيات" و"الاتجاهات" أكثر من اهتمامهم بالحقائق في ميدان الفن الذي يعالجون ـ ونقصد بذلك أن نقول إن هذه الروايات ليست مكتوبة في إنجليزية لا تعترف بقواعد اللغة، ولا بنظم سوريالي، ولا هي مكتوبة بدون فواصل ونقاط، وأولئك الذين يتوقعون مثل هذه الأمور من استعمالنا لفظة "تجديد" يقعون عادة في خطأ جسيم، هو أن ينتظروا من كل "تجديد" أن يذكرهم في يسر بحركات "التجديد" القديمة، بينما ظاهر أن لب "التجديد" الحق (لا ذلك النوع من التجديد الأجوف أو ذاك التجديد البالي أو ذلك التجديد الذي ليس إلا صدى للتجديد الذي يتشيع له من يسمون أنفسهم خطأ بالطليعة) إنما هو أن يكون جديدا كامل الجدة، لا يذكر المرء لأول وهلة بأي مثيل له سبقه، وهكذا نجد في السنين الثلاثين الأخيرة، أن المألوف في "التجديد" هو أن يسير الكاتب في تيار "تداعي الخواطر"، مقلدا أولئك المجددين الأصيلين في ميدان الرواية الإنجليزية أمثال فرجينيا وولف وجيمس جويس، وأن يدع المؤلف بطل قصته يرسل فيض خواطره حتى تفيض على صفحات الكتاب، فتستقر ثابتة هناك، وليس هذا أبدا منهاج لورانس داريل، فالمؤلف الذي يتبع أسلوب "تداعي الخواطر" إنما يتخذ لنفسه سلطات شبه إلهية، فيتسلل داخل رأس كل شخصية من شخصيات روايته، ويكتشف ما يجري هناك، أما داريل فهو، على عكس ذلك، يصر على أنه من المستحيل أن تصل إلى إدراك يقيني لما يدور في رأس شخص آخر، وهو في الحقيقة يذهب إلى أبعد من ذلك فينكر عموما احتمال إدراكنا الكامل حتى الوقائع البسيطة، مثل من شارك من على المائدة، ثم من شارك في الفراش بعد العشاء، وموقف داريل هذا هو أحد الأسس الرئيسية التي تقوم عليها وجهة نظره في الحياة، وبالتالي في إنتاجه، لذلك كان نهجه نهجا تقليديا مألوفا نسبيا، وليس معنى هذا أنه عادي أو ممل، فإن كتاباته بالعكس حية مثيرة للغاية تتميز بطابعه الشخصي الخاص، ولكنه يعني أن القارئ إذا فتح أي صفحة من صفحات أي من روايات "رباعية الإسكندرية" فإنه لن يكشف على التو أنه وجد شيئا جديدا بالمرة في ميدان الرواية، ومع أنه سيدرك بالتأكيد في أول وهلة أنه في حضرة ذهن ممتاز وعقل جبار وكاتب رائع، إلا أنه لن يشعر، سوى بعد قراءة الرباعية إلى منتصف الرواية الثانية على الأقل، بمدى روعة إنتاج داريل ونجاحه.
أين تتمثل إذن هذه الجدة وهذه الأصالة الخالصة ؟ حقا إن الرباعية تحتوى على جمهرة كبيرة من الشخصيات الغريبة التي صورت في روعة ونجاح، وأنها مكتوبة في أسلوب رائع ونثر فني غني بالخيال، ولكن التصوير الرائع للشخصيات والأسلوب الممتاز ليست بأشياء جديدة في الرواية الإنجليزية، وإن كنا نرحب بهما بحماس كلما ظهرا وأينما ظهرا، لا ليست أصالته في هذين الميدانين، وإنما الأصالة الحقة هنا هي في "بناء" هذه الرباعية وتركيبها، فخلق داريل المبدع في هذا يعادل في خصوبته وامتيازه ما أتى به بروست قبلة بأربعين عاما.
ولكي نتبين مدى الأصالة في رباعية داريل أولا نذكّر أنفسنا بطريقة "البناء" العادية في غالبية الروايات التقليدية المألوفة، فالمؤلف فيها يأخذ بيدنا لنقابل مجموعة من الشخصيات ـ إحداها إما راو يروي الرواية أو "بطل" لها، سواء أكان يتصف بصفات البطولة المألوفة أم لا يتصف بها ـ ثم يطلب إلى القارئ أن يشارك هذا البطل آراءه ويتخذ جانبه، وحينئذ تبدأ الرواية في "الحركة"، وكأنما عقارب الساعة قد بدأت تتحرك، فنحن ننتقل من حادثة إلى أخرى، وكل حادثة تتبع الأخرى في مجال الزمن، حتى نصل إلى النهاية، ولربما جاز لنا أن نضيف، لكي نعطي صورة أكمل، أن عدد الإمكانيات والاحتمالات ومختلف اتجاهات الحركة والعمل أمام بطل الرواية والشخصيات الأخرى فيها تزداد وتتضاعف في النصف الأول من الرواية، حتى ليحتار القارئ ويتفكر ويتمعن في الطريقة التي ستنتهي بها، بينما يتناقض بالتدريج عدد هذه الإمكانيات والاحتمالات نفسها في النصف الثاني من الرواية، إلى أن نصل إلى آخر صفحة فيها، فلا يتبقى منها أي احتمال، فنقفل الكتاب راضين. 
أما داريل فيستخدم في كل الروايات، ما عدا الرواية الثالثة، راوية اسمه "دارلي" تماما كما في الرواية التقليدية، وهو في الرواية الرابعة "كليا" يستخدم التتابع الزمني بالطريقة التقليدية التي شرحناها آنفا، ولكنه يطرح هذه الطريقة جانيا في "جستين" و "بالثازار" و "ماونتوليف"، ومن ثم نجد الموقف عجيبا غير عادي، فقبل بدء أول صفحة من صفحات الرواية الأولى "جستين" نجد أن كل الحوادث التي تتصل بها وتحكيها الروايات الثلاثة الأولى، قد تمت وانتهت كلها، لذلك يبدو، في أول وهلة، كأن لا احتمالات ولا "مسالك مختلفة" تنفتح أمام شخصيات الرواية، إذ كل شيء قد تحدد واتخذ مكانه الثابت، وليست مهمة الراوي هنا أن يعطينا صورة متماسكة لحوادث معينة بالترتيب الذي حدثت به، ولكن مهمته أولا أن يكتشف ببساطة حقيقة ما حدث، وأنا أقول "ببساطة"، وإن كان لا يوجد شيء أكثر من هذا صعوبة وتعقيدا.
وفي "جستين" يروي لنا دارلي ما يعرفه هو نفسه عن المجموعة الغريبة من "الإسكندريين" الذين تدور حولهم حوادث الرواية قبل بدء الحرب العالمية الثانية بعدة سنوات، وخاصة علاقة الحب التي نشأت بينه وبين جستين، وهي الزوجة اليهودية لقبطي غني من رجال الأعمال اسمه "نسيم حصناني"، رغم أن هذه العلاقة تتداخل في قصص أخرى عن علاقات أخرى، ودارلي لا يقوم بذلك على نحو مباشر، وإنما هو بدل ذلك يتحرك بحرية من نقطة إلى أخرى داخل نطاق إطاره المحكم، فيلمس هذه الشخصية هذه المرة، وتلك الشخصية تلك المرة، ويعالج هذه الحادثة هذه المرة، وتلك الحادثة مرة أخرى، دون أن يسعى إلى المحافظة على التسلسل في الحوادث أو الزمن، ومن المؤكد أن مثل هذه الطريقة، في يد فنان أقل قدرة من داريل، تقود إلى فوضى شاملة، ولكن يدي داريل القادرتين تحتفظان في الواقع للرواية بمنطق داخلي سليم، ولذلك كانت رواية "جستين"، بالرغم مما يبدو عليها في أول وهلة وكأنها تسير وفق أهواء مؤلفها، رواية مرتبة منظمة إلى أقصى الحدود.
ودارلي نفسه دقيق النظر ذكي الفكر في مراقبة نفسه وملاحظة غيره من الشخصيات، فهو ينظر إلى كل حادثة من جميع وجهات النظر الممكنة له، حتى أنه لو كان المؤلف روائيا آخر غير لورانس داريل، لشعرنا بأنه لا حاجة لمزيد، ولكن "جستين" ليست في الحقيقة إلا البداية، ففي رواية "بالثازار" يتلقى دارلي من صديق له اسمه بالثازار، كان قد أرسل إليه رواية "جستين" عندما انتهى من كتابتها، رزمة ضخمة من الملاحظات التي دونها بالثازار عن رواية "جستين" يتمكن بواسطتها، عن طريق معلومات يعرفها هو ولا يعرفها دارلي، من أن يصحح كثيرا من افتراضات دارلي، وأن يضيف حقائق جديدة لم تكن متوقعة أبدا، فيظهر مثلا أن قصة الحب بين دارلي وجستين، التي أخذها دارلي على أنها قصة حب فقط، ليست إلا جزءا من قصة طويلة أخرى، فجستين، في الحقيقة لا تحب دارلي ولكنها تحب بيرسواردن، وهو الروائي الذي يفيض حديثه بألمع الحكم في هذه الروايات الرائعة، فدارلي إذن مسكين اتخذته ستارا تخفي خلفه كل تفاصيل القصة الحقيقية حتى لا يعرف بها زوجها، وبهذه الطريقة تكتسب كل الحوادث التي عرفناها في رواية "جستين" معاني وألوانا جديدة تحت ضوء ما أرسله بالثازار من ملاحظات.
ولكننا، حتى الآن، لم نصل بعد إلى الحقيقة النهائية في أمر هذه الحوادث والأشخاص، فبينما رواية "جستين" و "بالثازار" تعالجان الشخصيات كأفراد فقط، يتخذون سبلهم كل في حياته الذاتية الخاصة، فإن الرواية الثالثة "ماونتوليف"، وهي مكتوبة في ضمير الغائب بدون راوية يرويها، هي رواية سياسة تعالج هذه الشخصيات كجزئيات من حركات وأجواء واتجاهات في الرأي، وأحزاب سياسية، وفجأة نكتشف هنا أن قصة حب جستين ودارلي لم تكن سوى جزء من إطار سياسي، وحلقة في مؤامرة كبرى، فلا خلاف ولا فرقة بين جستين وزوجها نسيم، بل الاثنان متحدان متفقان معا في مؤامرة مستميتة، وهما يعتقدان أن دارلي قد يكون في إمكانه أن يساعد على نجاح المؤامرة، فالزوج إذن أبعد من أن يكون مخدوعا، بل هو الذي يرسل زوجته عن عمد إلى أحضان ذلك الرجل، وهذه الحقائق الجديدة لا تطيح بدورها تماما بالحقائق التي وردت في روايتي "جستين" و"بالثازار"، وإنما هي في الواقع تعدل فيها وتوضحها، بالإضافة إليها لا بالإنقاص منها، وكأنما يريد داريل أن يقول لنا إن الحقيقة شيء معقد كل التعقيد، وأنه من المستحيل معرفتها كاملة على وجه اليقين، وكل ما يمكننا أن نفعله هو أن نقترب من الحقيقة في محاولات متتالية، كل محاولة منها أقرب إليها من سابقتها، ولكن لا يمكن لأية محاولة منها أن توصلنا تماما إلى الهدف المنشود، ولو سئلنا عما يحل في "رباعية الإسكندرية" محل "الحركة في مجال الزمن" على نحو ما نجد في القصة التقليدية، لقلنا إنها "الحركة في مجالات الحقيقة"، ففي هذا الاقتراب المستمر التدريجي من حقيقة الأمور، يكمن السحر والتشويق لقارئ هذه الروايات.
ولئن أدى ما كتبناه هنا عن هذه الروايات الرائعة إلى أن يظن القارئ أنها مجرد تجارب قاحلة، فنحن إذن قد أعطينا القارئ فكرة خاطئة، فهذا "البناء" الخلاق الذي ذكرناه إنما هو مجرد إطار، يحوي نثرا غاية في الجمال، وتعمقا في دراسة الشخصيات، وتصويرا رائعا للمناظر. وجزء كبير من الرباعية لاذع في دعابة، وبعض الأجزاء تثير الضحك حتى تكاد تصل إلى درجة الهزل، وليس من الضروري أن نجهد أنفسنا في بحث مدقق لكي نصور جمال الأسلوب، افتح أي صفحة من الرباعية تختارها، وستظهر لك على التو روعة نثره، ومع هذا المستوى العام الرائع من الجمال في كل الرباعية، تبرز بعض قطع معنية فريدة في جمالها، مثل وصفه لصيد البط في بحيرة مريوط، ومثل الوصف البارع للكرنفال الإسكندري الذي يحوي من خيال المؤلف قدر ما يحوي من الحقيقة وإن كان ذلك لا ينتقص من عظمة هذه القطعة شيئا، ومثل فاجعة مصرع ناروز أخي نسيم حين يطلق عليه قاتل مأجور رصاصة تصيبه وسط مزارعه الشاسعة، فيهاجم هو القاتل بالسلاح الوحيد الذي كان يحمله، وهو سوطه الكبير، ويظل يضربه به حتى يلقى ذلك القاتل بدوره مصرعه. وفي "كليا" تطالعنا هذه القطعة الممتازة، عندما يعود دارلي إلى الإسكندرية عند بداية الحرب العالمية الثانية بعد غياب سنين طويلة، تغيرت خلالها بالنسبة إليه المدينة، فلم تعد بقعة حقيقية فوق الأرض، بل عاصمة من إبداع خياله هو، فالسفينة التي تحمله من الجزيرة اليونانية التي كان بها، تصل خارج الميناء عند حاجز الأمواج قبل الفجر.
"وتحكم في الكون ظلام طمس كل شيء، وفي مكان ما، أمامنا، امتد غير مرئي ساحل أفريقيا .. كنت أعي وجود أبراج المدينة ومآذنها ـ فما كان أشق على نفسي ألا أرغمها على الظهور، ولم يكن في الإمكان حتى أن أرى أصابعي أمامي، وصار البحر وكأنه مدخل عريض خال، أو فقاعة خاوية من السواد والعتمة، وفجأة بدت نسمة مفاجئة، هفة من نسمة كأنما هي ريح مرت عبر جمرات، وتوهجت في البعد حمرة وردية كأنها محارات وأصداف، ثم ابتدأت الحمرة بالتدريج تدكن إلى أن صارت وردة غنية في حمرتها، وعبّر الماء أقبلت نحونا أنات خافتة مريعة، نابضة كضربات جناح طائر من الطيور المفزعة من عصور ما قبل التاريخ، صفارات إنذار كانت تصيح وتمور كما لا بد يمور الملعونون في مداخل الجحيم، وكانت أعصابنا تهتز كما تهتز أغصان الشجر، وبدأت، كأنما هي رد على تلك الأصوات، تنبثق أنوار، مبعثرة في البداية، ثم أصبحت أشرطة، ثم صارت عصيانا، ثم امتدت فصارت مربعات بلورية، وفجأة باتت معالم المدينة واضحة على صفحات السماء الداكنة، بينما بدأت أصابع نور طويلة بيضاء في بياض مسحوق البودرة تخطط السماء في ارتباك وبلا نظام، كأنها سيقان حشرة بليدة تجاهد كي تجد موطئا على ذلك السواد الزلق، ثم بدأ تيار صاخب من الصواريخ الملعونة يصعد من الضباب المكتنف للبوارج الحربية، ثم يفرغ في السماء في إسراف عجيب عناقيد براقة من النجوم والماس والجواهر المتكسرة، واهتز الهواء في ضربات متلاحقة، وكأنما البحر نفسه يرتعش، ولم أكن أظن أننا قريبون من المدينة إلى ذلك الحد، ولم أكن أظن أن المدينة يمكن أن تكون بهذا الجمال وهذه الروعة وسط مباذل الحرب الهوجاء، فقد بدأت تتضخم وتمتد وتكبر كأنما هي وردة روحانية من الظلام، تصاحبها الغارة الجوية، فتطفح عبر حدود الفكر، وكم كانت دهشتنا أن وجدنا أنفسنا نهتف ويصيح بعضنا إلى بعض، وقلت لنفسي إننا نرى أمامنا الحطام المشتعل والجمرات في قرطاجنة مدينة القديس أغسطين، وأننا نشهد سقوط إنسان الحواضر".
ومثل هذه القطعة التي تصف غارة جوية، وغيرها مما يحشد فيها الكاتب كل ما يملك من حصيلة لفظية من لغة الشعر الرائعة، تذكرنا على التو بالرواية الكلاسيكية الإنجليزية وما يماثل هذه من روعة آثارها في أعمال ديكنز أو جورج اليوت، وتذكرنا كذلك بالانتفاضات الرائعة في سيمفونية بروست الطويلة، ولكنها لا تذكرنا، من بين قادة الكتاب في أيامنا هذه، بغير لورانس داريل، فمثل هذه الكتابة بهذا الأسلوب تقابل بحذر وشك في هذا العصر المليء بالشكوك والتواضع المفتعل، وبالشعور بالذنب والشعور بالخيبة، غير أن الروائيين التافهين الذين لم يتنبهوا حتى الآن إلى أننا لم نعد نعيش في القرن التاسع عشر، ما زالوا يبذلون محاولاتهم للكتابة بمثل هذا الأسلوب، وبالطبع تنتهي محاولاتهم عامة بلا نجاح يذكر، ولكن كتّاب الرواية الذين هم أكثر وعيا بهذا الزمن الذي يعيشون فيه، تراهم يفضلون الإيماءة السلبية، ويبتعدون عمدا عن تأكيد أي أمر، ويستخدمون في إصرار وعن عمد الجملة القصيرة العادية، وحصيلة الألفاظ المحدودة، أما داريل فهو استثناء بارز من كل هذا، فهو يقبل على نفسه كل المخاطر الكامنة في أن يجابه المؤلف اللغة في جرأة مباشرة، ويقبل كل المآزق المتضمنة في التعبير بصراحة وبلا خجل عن كل ما هو رومانتيكي وغريب، وعن كل ما هو "أكبر من الواقع"، وهذه مخاطر حقيقية، فإن كل تقصير عن بلوغ المراد في التعبير كشف المؤلف بشكل معيب، لأن الخط الذي يفصل بين التعبير الرومانتيكي وبين التعبير المفتعل الأجوف خط رفيع للغاية، ونحن الآن، في ميلنا للسخرية من أنفسنا، على استعداد دائم لأن نخلط بين الرومانتيكي وبين التعبير الأجوف المفتعل، وعلينا أن نعترف بأن هناك لحظات قليلة في هذه الرباعية الطويلة، يخطئ فيها داريل تقدير المخاطر، فتقترب كتابته من التصنع والمبالغة، ولكن في مقابل هذه اللحظات القليلة يجب أن نضع العدد الذي يحصى من لحظات النجاح الرائعة التي لم يكن من الممكن إدراكها لولا هذا القدر العظيم من الجرأة والشجاعة في الميدان الأدبي.
أما الدعاية اللاذعة، فهي أيضا كامنة في كل فقرة من الروايات، فداريل يعالج الحياة في جدية تامة، ولكن بشيء غير قليل من روح فكهة، فهو واع تماما بالنواحي المضحكة التي تكمن حتى في أفجع مآسي الحياة، ولكن زبدة لباقته وأصفى مراحه العقلي يظهران بكل جلاء في أقوال بيرسواردن الذي يصور فيه داريل شخصية روائي عبقري قلما نجد في تاريخ الرواية تصويرا يضاهيها في هذا الميدان، حتى أن القارئ لا يسعه إلا أن يؤمن بوجودها بلا تردد، فبيرسواردن يقول مثلا:
"هذا العالم ـ الذي نتصوره دائما عالما "خارجيا" ـ لا ينفتح إلا أمام استيطان الذات".
"الفراشات تجتذبها شعلة الشخصية البارزة، التي تجتذب كذلك مصاصي الدماء، وعلى الفنانين أن ينتبهوا ويحذروا".
"الفن كالحياة سر مكشوف".
" .. .. أم أن الفن لا يعدو أن يكون تلك العصا البيضاء التي يحملها المكفوف ليطرق بها طريقا لا يراه ولكنه يثق بأنه هناك ؟".
ومن الصعب أن نجد أية مجلدات أخرى في تاريخ الأدب الإنجليزي الطويل، تحفل بما تضمه هذه الرباعية من جواهر الحكمة البراقة عن الحياة والفن.
ولربما وجب أن نوجه كلمة أخيرة للقارئ العربي، إن قرر أن يقرأ هذه الرباعية باللغة الإنجليزية أو باللغة الفرنسية، فميدان حوادث القصة هو مدينة الإسكندرية، ثاني المدن في قطر من الأقطار العربية، ومع ذلك فإن "نسيم حصناني" هو الشخصية المصرية الوحيدة من مجموعة كبيرة من الشخصيات المهمة في هذه الرباعية، أما بقية الشخصيات، فمنها الإنجليزي ومنها الفرنسي واليوناني والإيطالي ـ وكلهم من الجاليات الأجنبية من سكان تلك المدينة المضيافة التي أغرم بها داريل، فوصفها وصف المحب المعجب، وليس في هذا أية نعرة أو عنصرية أو تحامل، بل إن داريل على العكس بعيد عن ذلك جدا، فهو يعلي دائما شأن الفرد على المجموع، ومن ثم فهو أبعد الناس عن أن يظهر مثل ذلك التحامل المعيب، ولكنه ككل كاتب ممتاز، يكتب فقط عما يعرف، وهو لا يدعي أنه يعرف المصريين هذه المعرفة الشخصية العميقة، وعلى العكس فإن شعور داريل بأنه غريب في قطر هو فيه مواطن مقيم، أو بمعنى آخر إحساسه بنفسية المنفي، هي بالذات التي تقود إلى ما في الرباعية من روعة، في مواقف انعدام الشعور بالمسئولية، والمواقف التي فيها بعض المغالاة الهستيرية، وما فيها من الإغراق في قصص الحب الملتهبة، والإفراط في تحليل الذات ـ هذه المادة الخام التي بنى بها داريل هذا الأثر الضخم تذكارا لمدينة، هي المدينة الواقعة في أرض مصر، ولكنها في الوقت نفسه شيء أوسع من ذلك، فهي "مدينة المدن" في خيال الشعراء، وهي في النهاية تطل من صفحات الرباعية، أضخم من أية شخصية فيها وأعمق.


(*) - Lawrence Durrell: "Justine", "Balthazar" , "mountolive" and "Clea" - Pyblished Fober & at 16s, each.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

ببليوجرافيا الروائي الإنجليزي 
لورانس داريل

لورانس داريل
يتحدث عن فنّه الرّوائي

جوستين 
والشخصية الإسرائيلية

مؤثرات رباعية الإسكندرية 
على الرواية العربية

قراءة أخرى لـ
"رباعية الإسكندرية" 

فورستر وداريل
والإسكندرية: تاريخ ودليل

رواية حية 
رباعية الإسكندرية: جدة وأصالة خالصة
الإسكندرية "مدينة المدن" في خيال الشعراء

من رسائل لورانس داريل

مختارات من ديوان "شجرة الخمول"
وقصائد أخرى للورانس داريل


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان