قراءة أخرى لـ
"رباعية الإسكندرية" 

 
بقلم: السيد نجم 

قرأت "رباعية الإسكندرية" للكاتب "لورانس داريل" ضمن الأعمال التي تقرأ بالضرورة لأي مهتم بالأدب عموما والرواية خصوصا. بين الحين والحين يثار الحوار حول الرواية هنا أو هناك، حتى كان ملف "الكلمة المعاصرة"، فكان السؤال الذي وضعته أمامي: هل هناك إضافة حقيقية يمكن كتابتها؟ لقد تملكتني فكرة ظالمة أنه لن تكون هناك فكرة جديدة يمكن إضافتها.
فور الانتهاء من قراءة الجزء الأول "جوستين" حتى تبدت الفكرة وبانت بحيث لم أتابع الأجزاء المتبقية قبل فوات الأوان!. لقد استفز هذا الجزء (والأجزاء المتبقية أكيد) السؤال القديم الجديد حول "أدب الأقاليم"، وكيف أننا حتى آخر ندوة حضرتها بالإسكندرية لم ننتهِ إلى إجابة محددة للسؤال.. إذن السؤال هو: كيف تبدت الإسكندرية في هذا العمل الروائي؟. هل هناك خصوصية للإسكندرية تجعلنا لا نرى إلا تلك المدينة المصرية / التاريخية / الساحلية / فلا يمكن فهم أحداثها إلا بفهم خاص للمكان، ولا يمكن للأحداث أن تحدث أصلا إلا إذا كانت في الإسكندرية؟
هنا مربط الفرس على حد قائلها.. تعد هذه الرواية معبرة أفضل تعبير عن خصوصية الإسكندرية في زمن كتابتها، وبالتالي أجابت عن تساؤلنا حول الأدب الإقليمي: تعريفه وملامحه، إلى حد كبير.
ترى كيف نجح الكاتب في تحقيق ذلك؟
تقول "جوستين" للراوي في الجزء الأول "لابد لكونك ايرلنديا" أن تكون لاجئا بسبب أفكارك، إلا أنك لا تعانى ما نعانيه نحن من قلق".
تسعى جوستين إلى الوصول إلى الحقيقة، وأن تملك نظرة واقعية راصدة ثاقبة، وليست نظرة سائح أو زائر، فتتابع الحوار بما يعنى أنها تسعى إلى ذلك الشيء الخاص المميز والذي لا ينبعث منا (من جوستين أو المقيمين في الإسكندرية) ولكن من المناظر الطبيعية .. إنها روائح الإرهاق التي تشبه رائحة المعدن والتي تملا أجواء مريوط !!
تأمل تلك الوقفة مع جوستين - التي هي الإسكندرية بمعنى ما، وهو ما سينجلي مع الأحداث فيما بعد - إنها تسخر من الأجنبي على الرغم من كونها أجنبية أيضا إلا أنها من نسيج عميق بالمدينة.. ولا ترى الأحوال بعين رومانسية، كما أنها وقفت عند "مريوط" عند حدود المدينة لم تدخلها بعد .
وفى موضع ملاصق للموضع الأول نقترب مع الكاتب من البعد التاريخي أو من الزمان السكندري، بعدما اقتربنا من المكان. تتحدث عن هؤلاء الذين أسسوا المدينة قائلة: "في الجندي - الإله.. الجسد الشاب.. يمخر النهر نحو مقبرته.. أو ذلك الرأس الزنجي وهو يردد ما توصل إليه من خلال التأمل الفكري الخالص عن تصوره للإله(بلوثينوس).. وكأن هموم هذه الرقعة من الأرض (الإسكندرية).. في منطقة يضطر فيها الجسد، وقد جرده تسامحه الزائد عن الحد .. إلى الخضوع إلى سيطرة أكبر شمولا".
هنا إشارة إلى الاسكندر وجنوده، هنا الرأي المهذب في وصف أهل المنطقة التي غزاها الاسكندر بالتسامح، لكنها عموما لم تغفل البعد الثاني للمدينة .
فلما كان البعد الثالث هو البعد الإنساني والإنسان السكندري من جانب، و سكان المدينة الغرباء، وقد تأقلموا أو حتى لم يتأقلموا، لكنهم على أرضها و أضافوا إليها كما أخذوا منها .. تقول جوستين في موضع ثالث: "آه .. لابد أن يكون هناك شئ بلا مقابل، شئ يمت إلى جزر الباسفيكي في تلك الإباحية التي نحياها". إنه جانب خفي لا نعلمه إلا بالاعتراف، لكن الجديد هنا أن يكون هذا البعد الإباحي، واردا أو على الأقل مشتركا بمنطقة ساحلية أخرى "الباسفيكى". الإسكندرية ليست مدينة معزولة إذن. نتابع ما تابعته بقولها: "أو حتى شئ يمت إلى البحر المتوسط حيث يختلف مغزى القبلة .. هنا تحك الرياح القاسية الجافة والتي تهب من صحارى أفريقيا، أجسادنا فنجبر على أن نستبدل الحب برقة ذهنية أشد قسوة" إنها وجهة نظر على كل حال، ما يهمنا هنا هو الرابط/ الروابط المتداخلة التي يضفرها الكاتب من أجل تحقيق الخصوصية السكندرية .. لنا أن نوافقه أو نختلف معه أخلاقيا في موضع مختلف.
والآن أصبح للإسكندرية بعدا واضحا رسمه الكاتب متسللا من بين الكلمات والسطور، وصفه بالبعد الأكثر انجذابا إلى الشمال (أوروبا) .. بينما يتوهج مزاج سكانها في قسوة كشحنة كهربية مفرغة ومنطلقة ـ على حد تعبير الكاتب ـ لأن مركزها الروحي في طي النسيان، حيث دفن يوما جندها الحائر في ألوهيته المستعارة (الاسكندر الأكبر).
أما مركز المدينة الدنيوي، ففي نادى السماسرة، حيث يجلس سماسرة القطر المصري يرشفون قهوتهم ويدخنون السيجار الفاخر!!
والآن ماذا عن جوستين نفسها؟
.."من الذي يستطيع أن يزعم أن جوستين لم يكن لها جانبها الأحمق؟ عبادة اللذة، الخيلاء العابرة، الاهتمام بأن يكون لمن دونها فكرة طيبة عنها، التعالي".
.." كانت جوستين تكره سماع الحقيقة .. ثم قالت بصوتها الأجش الذي غدوت أحبه كثيرا" لا مجال للخيار في هذا الأمر، إنك تتكلم كما لو كان هناك مجال للخيار.. إننا لسنا أقوياء أو أشرارا بالدرجة التي تمكننا من ممارسة الاختيار. إن هذا إنما هو جزء من تجربة قد دبرها شيء آخر، ربما تكون المدينة، أو جزء آخر في ذواتنا".
"اشتهرت جوستين بكثرة عشاقها، و نظر إلى "نسيم" باعتبار أنه زوج مجامل...وجوستين برأسها الجميل وأنفها العربي بطرفه الحاد الانحناء وعينيها الصافيتين. كانت تتفرس فيما حولها كفهد نصف مدرب".
وتتعدد أوصاف "جوستين" كما تتعدد أوصاف الإسكندرية من الخارج:" في لمحة خاطفه أرى بعين خيالي ألف شارع كتم الغبار أنفاسها، إنها اليوم ملك للذباب والشحاذين".
تكثر التداخلات والأوصاف ما بين جوستين والإسكندرية, حتى يظن القارئ أنها هي.. بجمالها وقبحها، بتمردها وصمتها، بكل تناقضاتها.. بكل شيء.
ولا يخلو العمل من رسم دقيق للحياة اليومية والتفاصيل الدقيقة التي كثيرا ما تضيف للرواية كفن سردي بعدا هاما، ويبدو في الرباعية أكثر أهمية أو لنقل نجح أكثر نجاحا في تحقيق مقاصده الفنية، والآن نقول ومقاصده النقدية أيضا.
نتخير بعض الأوصاف و الشخصيات التي ترسم الحياة في الإسكندرية :
- " أنا والطفل وحيدان تماما، ماخلا الفلاحة العجوز المجعدة الوجه والتي تأتى فوق بغلها كل يوم من القرية لتنظيف المنزل".
- " يقوم على خدمتي خادم نوبي أعور يدعى "حميد"."
- " الساعة السادسة. وقع أقدام أناس ترتدى الملابس البيضاء من ميدان المحطة".
- " فلا يمكن في مدينتنا أن يكون مغمورا من كان دخله السنوي يزيد على مائتي جنيه"
وغير ذلك كثير، ويمكن التقاطه بسهولة ويسر، وكله يتجه نحو طريق اتضح لي فهمه: إن هذه الشخصيات، و تلك الطرقات، وجملة الأحداث.. كلها لا يمكن لها أن تكون وتبين للقارئ إلا للكشف عن مدينة بذاتها دون غيرها .. هي الإسكندرية، التي بأبعادها الزماني والمكاني والإنساني صنعته، بل وصنعت به هي نفسها .
لذا سعدت بالقراءة الثانية لرواية قرأتها من قبل، لقد عثرت على إجابة لسؤال طالما تحيرت به وحيرني !!

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

ببليوجرافيا الروائي الإنجليزي 
لورانس داريل

لورانس داريل
يتحدث عن فنّه الرّوائي

جوستين 
والشخصية الإسرائيلية

مؤثرات رباعية الإسكندرية 
على الرواية العربية

قراءة أخرى لـ
"رباعية الإسكندرية" 

فورستر وداريل
والإسكندرية: تاريخ ودليل

رواية حية 
رباعية الإسكندرية: جدة وأصالة خالصة
الإسكندرية "مدينة المدن" في خيال الشعراء

من رسائل لورانس داريل

مختارات من ديوان "شجرة الخمول"
وقصائد أخرى للورانس داريل


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان