فورستر وداريل
والإسكندرية: تاريخ ودليل

 
Shablol.jpg (3953 bytes)
 أحمد فضل شبلول

في عام 1982 كتب لورانس داريل مقدمة الطبعة الأخيرة لكتاب أ.م. فورستر "الإسكندرية: تاريخ ودليل" الذي قام بترجمته مؤخرا حسن بيومي، وصدر عن المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة.
وإذا عرفنا مدى أهمية كتاب فورستر عن الإسكندرية (ومن ناحيتي أعتبره أفضل ما كتب عن الإسكندرية في العصر الحديث)، وإذا عرفنا مدى الصداقة التي جمعت بين فورستر وداريل، ومدى عشقهما للإسكندرية (هذه المدينة العجيبة المثيرة للعواطف والذكريات) وإذا عرفنا أن كلا الصديقين روائي متميز أضاف إلى الأدب الإنجليزي أبعادا جديدة، لأدركنا على الفور أهمية المقدمة التي كتبها داريل للطبعة الرابعة (لندن 1982) من كتاب فورستر الإسكندرية: تاريخ ودليل، (الطبعة الأولى للكتاب في الإسكندرية 1922، والطبعة الثانية في الإسكندرية 1938، والطبعة الثالثة في نيويورك 1961).

جاءت مقدمة داريل في خمس صفحات (ص ص 25 ـ 29) وفيها يقول: "ليس هناك وجه من الوجوه العديدة لهذه المدينة، ولا ظل من ظلال ألوانها، إلا رصدته عيناه (يقصد فورستر) بكل دقة وصوره قلمه الحساس". ويؤكد داريل قول فورستر إن التجوال في المدينة في هدوء وبلا هدف، هو الطريقة المثلى لرؤية الإسكندرية.
ويعبر داريل عن شعور سكان مدينة القاهرة تجاه الإسكندرية في قوله في تلك المقدمة: " إنها تلعب دورا غير مقصود كعاصمة ثانية لمصر وهي الراحة الوحيدة التي يجدها ساكن القاهرة ـ تلك المدينة الرابضة كعدسة حارقة بين صحاريها".
ولكن يلاحظ أن كلا الصديقين ـ ومعهما بطبيعة الحال الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس وعدد كبير من الأجانب الذين كانوا يقطنون الإسكندرية ـ يعتبران الإسكندرية مدينة إغريقية، وليست مصرية. يقول داريل في مقدمته: "إن التنزه على شاطئ الإسكندرية يشعرك على الفور وكأنك تسير على حافة الهاوية، ما السبب في ذلك"؟ إنه ليس فقط تلك المدينة الإغريقية الحزينة الماثلة أمامك، وإنما أيضا تلك الخلفية من الصحارى الممتدة إلى قلب أفريقيا. إنها مكان الفراق الدرامي، والقرارات النهائية والأفكار الأخيرة ..". 
إنهما ينظران إلى الإسكندرية نظرة الأجنبي ـ أو غير المصري ـ وبالتالي فعندما كتبا عنها، كتبا من خلال هذا المنظور، وبالتالي فإن السكندري المصري (ابن البلد) عندما يقرأ أعمال داريل وخاصة "رباعية الإسكندرية" لا يجد نفسه في هذا العالم الذي رصده الروائي، وكذا الحال عند قراءة أشعار كفافيس عن الإسكندرية، إنها إسكندرية غير المصرية، إنها كما صرح بذلك داريل "إسكندرية الإغريقية".
وأهل الإسكندرية عند داريل ـ في تلك المقدمة ـ لا يخرجون على صنفين من الناس، إما رهبان وراهبات أو شهوانيون أو نسَّاك، وذلك دون أي إنذار على حد تعبيره.
ويقارن داريل بين كتاب فورستر وكتاب إدوارد وليم لين "المصريون المحدثون: شمائلهم وعاداتهم" فيقول: "لقد كان هذا الكتاب رفيقا مخلصا (يقصد كتاب فورستر) شأنه شأن كتاب "لين" الذي يعتبر دليلا ممتازا لمدينة القاهرة، وبينما كنت أحزم هذين الكتابين لأرسلهما لإحدى الجامعات الأمريكية، لاحظت أنهما كانا ملطخين بالعرق، وكان هذا دون شك دليلا على ولعي بقراءتهما وإعادة قراءتهما".
ألا يدل هذا الاعتراف على مدى الجهد الذي يبذله هؤلاء الأدباء الأجانب في سبيل التعرف على بلادنا، وهل الغرض من ذلك غرض استعماري، وإلا فلماذا يهتم داريل بإرسال نسختين من الكتابين لإحدى الجامعات الأمريكية؟
غير أهم ما نصل إليه في هذه المقدمة هو اعتقاد معظم الناس ـ ربما بما فيهم المصريون أيضا ـ أن الإسكندرية انزلقت إلى النسيان بوصول عمرو بن العاص، يقول داريل: "وتمطى ألف عام أو يزيد من الصمت والإهمال، ما بين عمرو ونابليون". ولعل الباحث المدقق في تاريخ مدينة الإسكندرية يستطيع أن يثبت هذا الرأي، فالإسكندرية أُبعدت تماما عن مركز الصدارة في العصر الإسلامي لكونها تقع على البحر من ناحية، وأن العرب الفاتحين لم يكونوا على دراية بفنون البحر من ناحية أخرى، ففكروا على الفور باستبدال العاصمة المصرية بأخرى تقع بالداخل فكانت الفسطاط ثم القاهرة.
ويقارن داريل بين الإسكندرية قبل ثورة 1952 وبعدها فيقول: "إنه لعمل يدعو للألم، أن نستحضر قصة هذه المدينة حتى 1977 وهو تاريخ آخر زياراتي لها، فالكثير مما تركته فيها قد زال، والأجانب من طائفة رجال الأعمال يتزايدون، واللغات الخمس التي كانت مستخدمة هنا بشكل طبيعي في المعاملات في الإسكندرية قد اختفت تماما وصار الميناء مجرد مقبرة بلا حياة، وبلا حركة تنعشه، فغزل عبد الناصر الطويل للشيوعية قد أنتج أثره الحتمي المميت. فاتر الهمة، وبلا روح .. يذهب رجل الأعمال المعاصر اليوم لأداء مهامه دون أي حماس، والمقاهي مازالت تحمل أسماءها القديمة: باستوريدس، بودرو، لكنها بلا زبائن تجعلها تتلألأ بالضياء والموسيقى .".

***

ويتردد اسم داريل ـ بعد ذلك ـ كثيرا في كتاب فورستر "الإسكندرية: تاريخ ودليل" إلى أن نصل إلى "مدينة الكلمات" وهو مقال لمايكل هاج ألحقه فورستر بالكتاب (ص ص 281 ـ 287)، وفيه يقول هاج عن داريل: لورانس داريل ولد في منطقة الهيمالايا بالهند عام 1912 ولم تكتب عنه سيرة، أما التفاصيل المتعلقة بسيرته، فقد تم جمعها من أعمال عديدة من النقد الأدبي أو من كتاب "لورانس داريل وهنري ميلر .. مراسلة خاصة" الذي حرره جورج ويكس عن دار نشر فابر، لندن 1963 ولقد نفدت كل نسخة، ومن رواياته "الكتاب الأسود" والتي صدرت قبل انتقاله للإقامة بالإسكندرية، و"تنك" و"تنكوام" و"السيد" و"ليفيا"، وكلها صدرت في الستينيات والسبعينيات، أما "رباعية الإسكندرية" فتتضمن "جستين" و"بلتزار" و"مونتوليف" و"كليا"، والأجزاء المستقلة صدرت عن دار نشر فابر، لندن 1957 وحتى 1960، والطبعة التي تشير هذه الملاحظات إلى أرقام صفحاتها هي الرباعية ذات الجزء الواحد، التي صدرت عام 1962، ومن كتب أسفاره "زنزانة بروسبير" (كورفو) و"أفكار عن فينوس البحرية" (رودس) و"ثمار الليمون اللاذعة" (قبرص). وشعره صادر عن دار نشر فابر في طبعات تحت عنوان "قصائد مختارة" و"مجموعة قصائد"، وبعضها يتناول الإسكندرية، وتوجد أيضا ترجمات له لبعض قصائد كفافيس المنشورة في الرباعية مثل قصيدة "المدينة" وقصيدة "الإله يتخلى عن أنطونيو" اللتين تظهران في نهاية "جستين"، وقصائد مثل "شمس ما بعد الظهيرة" و"بعيدا" و"أحد آلهتهم" في نهاية "كليا".
ويذهب ما يكل هاج إلى أنه لدراسة البعد الأدبي للإسكندرية يجب النظر في كتاب "وتبقى الإسكندرية: فورستر داريل وكفافيس" لجين لاجودس بنشن، الصادر عن مطبعة جامعة برنستون، نيوجيرسي 1977.

***

نعود إلى مقدمة داريل لكتاب فورستر ونختم هذا المقال بخاتمة داريل لمقدمته فيقول: "للمرة الثانية تنزلق الإسكندرية إلى النسيان .. يجب أن تغفروا لي هذا الاكتشاف؛ وهو أن المدينة الحالية تئن أمام تأثير المحن، خاصة عندما يفكر المرء في كنوز القاهرة، أو النمو الزراعي الهائل، أو في الآثار القديمة التي تعطي صعيد مصر سمعته الرنانة. ـ ربما على مر الأيام تأتي الأحداث السعيدة مرة أخرى، مجددة للينبوع السحري وجاعلة إياه مثيرا لذكريات وعواطف جيل جديد من الشعراء: أبولونيوس، ثيوكريتس، كفافيس، إنهم يدفعون المرء كي يؤمن بمستقبل كهذا، بالرغم من مظاهر اليوم".

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

ببليوجرافيا الروائي الإنجليزي 
لورانس داريل

لورانس داريل
يتحدث عن فنّه الرّوائي

جوستين 
والشخصية الإسرائيلية

مؤثرات رباعية الإسكندرية 
على الرواية العربية

قراءة أخرى لـ
"رباعية الإسكندرية" 

فورستر وداريل
والإسكندرية: تاريخ ودليل

رواية حية 
رباعية الإسكندرية: جدة وأصالة خالصة
الإسكندرية "مدينة المدن" في خيال الشعراء

من رسائل لورانس داريل

مختارات من ديوان "شجرة الخمول"
وقصائد أخرى للورانس داريل


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان