|
لورانس داريل من الكتاب الذين يكتبون في سائر دروب الأدب، فهو شاعر، وكاتب مسرحي لديه العديد من المسرحيات أشهرها "الليمون المر" عام 1957، وثلاثية عن أدب الرحلات، وكاتب دراسات أدبية ومترجم إلى جانب عمله رئيسا لتحرير العديد من المجلات الأدبية، لكن أكثر ما اشتهر به داريل هو كتابة الرواية، فلديه عدة روايات منها: الكتاب الأسود، التيه المظلم، نسور فوق السرب، وأشهر أعماله على الإطلاق هي رباعية الإسكندرية المكونة من أربعة كتب، كل كتاب يحمل اسم بطل من أبطال الرواية: جوستين، بالتازار، كليا، مونت أوليف.
يلح داريل على أن الإسكندرية هي المرآة التي تعكس وجوه أبطال الرواية، وأنها تفعل بالحب ما تفعله معصرة النبيذ بالعنب، وأن الخارج منها إما أن يكون رجلا شهوانيا، أو يعاني من الوحدة أو نبيا، لكن الإسكندرية ـ في رأيي ـ لا تترك على أشخاص الرواية أثرا يذكر، وكان من الممكن أن تقع أحداث الرواية في أي مكان تستعمره بريطانيا في ذلك الوقت، أي مكان يتحكم فيه الأوربيون ويسيطرون فيه على كل شيء، ويكون لهم فيه مجتمعهم الخاص بهم.
فالرواية تركز أكثر على الأجانب الذين يعيشون في الإسكندرية، والمصريون دورهم ـ في الرواية ـ باهت، حتى نسيم المصري الذي أعطاه داريل دورا كبيرا في الأحداث، يعيش مثله مثل الأجانب، وأخلاقه وعاداته لا تختلف عنهم كثيرا، ومما يؤكد هذا، أنهم عندما حولوا الرواية إلى فيلم سينمائي صوروه في تونس، لم يحدث أي تغيير يذكر، فبالرغم من بقاء داريل في الإسكندرية لسنوات عدة موظفا في الخارجية الإنجليزية، إلا أنه عاش فيها كالسائح، ولم يتعمق في الشخصية المصرية، وعند زيارته لمصر عام 1979 .. ليصور التلفزيون البريطاني برنامجا خاصا به، عن روايته الرباعية ويسجل الأماكن التي ذكرها في روايته سأله الأستاذ فتحي الإبياري (1)
ـ لكنك وصفت حي السيالة وصفا كئيبا مقززا، وذكرت أن فيه وكر للبغاء، وهذا لم يحدث إطلاقا في الإسكندرية في هذا
الوقت؟.
أجاب داريل:
ـ اعترف بأن هذا لم يحدث في الإسكندرية، لكن هذا المنظر اقتبسته من حي البغاء الذي كان موجودا في الأزبكية بالقاهرة، لقد كان عالما غريبا شاذا، مثيرا.
لا يعرف داريل أن الإسكندرية كان بها حي بغاء في الزمن الذي كتب عنه روايته، وأيام كان موظفا في الخارجية الإنجليزية، وكان هذا المكان موجودا في منطقتي اللبان والهماميل.
***
تبدأ الرواية بجوستين المدللة من زوجها نسيم المشهور جدا في الإسكندرية لغناه، والمدللة من رجال كثيرين منهم: القنصل الفرنسي في الإسكندرية، والراوي، وكليا (وهي امرأة) أحبت جوستين، بل إن التجربة الوحيدة في حياة كليا كانت مع جوستين، وأحبها أيضا يعقوب الأرنائوطي ـ زوجها الأول قبل نسيم ـ وهو يهودي مثلها، وكابوديستريا اليهودي الشهواني الذي اغتصبها وهي صغيرة.
قابلت جوستين الراوي وهو يلقي محاضرة عن شاعر الإسكندرية العظيم اليوناني الأصل كافافيس .. وتبدأ العلاقة بينهما، عن طريقها يتعرف الراوي على نسيم زوجها الغني جدا وصديق الملك نفسه.
وبذلك تفتح مجتمعات الإسكندرية الراقية ذراعيها للراوي رغم إمكانياته المالية المحدودة، بل لجأ إليه البعض ليكون واسطة بينه وبين جوستين، فقد جاءه بومبال ـ موظف القنصلية الفرنسية قائلا:
ـ رئيسي ـ القنصل العام ـ يكن لجوستين عاطفة قوية، ولقد باءت بالفشل الذريع كل محاولاته للقائها، وقد أخبره أحد جواسيسه بأن لك دالة في محيط الأسرة وهو يأمل أن يحل محلك في أمورها العاطفية، ويثق نسيم في الراوي حتى أنه يستدعيه ويذهبا معا لإنقاذ جوستين، فيجد أنها في دار دعارة للمومسات الصغيرات بحي رأس التين، تبحث هناك عن ابنتها (من زوجها يعقوب الارنائوطي) والتي سرقها منها، على أساس أن هذا هو المكان الملائم لوجود طفلة في مثل عمر وظروف ابنتها، وكان للراوي صديقة اسمها ميلسيا، امرأة جاءت من أزمير مملوءة بالأمراض (سوء تغذية، هستيريا، إدمان كحول وحشيش ودرن ودبان هندي).
قابلها الراوي ـ أول مرة ـ عندما سكرت وحطمت شقة مجموعة من البحارة جاءوا بها كامرأة ساقطة .. فضربوها، فصرخت حتى التف الناس حولها، فحملها الراوي إلى حجرته، واعتنى بها هو وخادمه الأعور حميد، ثم نقلاها إلى المستشفى اليوناني للعلاج، ومن يومها أصبحت صديقته، وقامت بينهما علاقة غريبة فتذهب هي إلى كابوديستريا وتنام معه لتخلص دينا على الراوي له، وتعود بالصك مكتوبا عليه (خالص)، ويقترض ـ هو ـ من جوستين عشيقته ليرسل ميلسيا لتكشف على صدرها بالأشعة. لكن ميلسيا تشعر بالغيرة من علاقته بجوستين، وفي لحظة ضعف تقترب من نسيم ـ زوج جوستين ـ وتخبره بعلاقتها بالراوي، فيرسل نسيم في طلبها في مكتبه، ويخرج دفتر شيكاته ويسألها:
ـ كم تريدين لتصمتي ؟
ويدعو نسيم الراوي لرحلة صيد في مريوط، تحاول ميلسيا أن تثنيه عن الذهاب، خشية أن ينتقم نسيم منه، لكن الراوي يذهب، ويموت كابوديستريا في هذه الرحلة، يقتل بطلق ناري، ويقبض البوليس على حامل بندقيته المصري.
وترحل جوستين إلى إسرائيل، ويتحول الجميع ـ بعدها ـ إلى موات:
* تموت ميلسيا في مصحة درن بأورشليم.
* ينقل بومبال إلى القنصلية الفرنسية بروما.
* يذهب نسيم إلى كينيا في إجازة بعد أن تحول من رجل رقيق إلى سوقي، وترهل جسده، وصار ينتقل من كازينو إلى آخر، ويسهر إلى وقت متأخر من الليل في المنتزة.
* يقبل الراوي العمل مدرسا في مدرسة بالصعيد.
***
كل الشخصيات اليهودية في الراوية، ـ وجوستين بالذات ـ ترتبط ارتباطا كبيرا بالشخصية الإسرائيلية بكل تعقيداتها واضطرابها، ففي التعبيرات الإسرائيلية الشعرية يرون أن الرب قد اتخذ من أمتهم عشيقة له، ثم تزوجها زواجا أبديا، حتى أنها إذا خانته ودنست شرف العلاقة بينهما، لم يطلقها ـ كما يفعل أي مخلوق من البشر ـ لكنه يكتفي بأن يغضب ثم يرضى، وأن يعاتب ثم يصفح، فهي الأمة الحبيبة المعشوقة المدللة التي تعلم ـ مقدما ـ أن الرب لن يجرؤ يوما على قتلها مهما أجرمت(2).
كذلك فعل نسيم (المسيحي) مع جوستين اليهودية، يعرف خيانتها له: "فإن حياتهما الفخمة المنطلقة والتي لا تراعي أي عرف أو تقليد قد جعل لها سمعة خاصة بين قاطني المدينة المحليين. اشتهرت جوستين بكثرة عشاقها، ونظر إلى نسيم باعتباره زوجا مجاملا".
ويغفر نسيم لها كل ما تفعله، فقد كانت بالطبع سيئة في أمور عدة، لكنها كانت أمورا بسيطة، كما أنه ليس في وسعي أن أقول إنها لم تؤذ أحدا، لكن هؤلاء الذين آذتهم ـ أكثر من غيرهم ـ قد صيرتهم أكثر نضجا.
ويقول الراوي في صفحة 12:
إنني كثيرا ما أفكر ـ والرهبة تخيم عليّ ـ في حب نسيم لجوستين، أي حب يمكن ـ في ذاته ـ أن يكون أكثر عمقا وأمتن أساسا من ذلك الحب، لقد لون تعاسته بنوع من النشوة باستعذاب الألم الذي تتوقع أن تلقاه عند القديسين، لا مجرد العشاق.
وهكذا تتحول الخيانة الزوجية إلى عمل تطهيري مقدس، إذا كانت من جوستين اليهودية ضد نسيم المسيحي، وذلك لأن الشخصية الإسرائيلية مدللة إلى حد كبير ويُغفر لها خياناتها دائما.
ويختلف الوضع إذا كانت الخيانة من يهودي إلى يهودي آخر، فيعقوب
الارنائوطي ـ زوج جوستين الأول ـ لا يرى فيها سوى أنها امرأة مصابة بالهوس الجنسي السحاقي، فيضربها قائلا:
ـ أرفض أن أكون قوادا لملذاتك، ويجب أن تتحملي أثقالك بنفسك، إنك
تسعين ـ وبلا هوادة ـ إلى أن استعمل سوط التعذيب(3).
لقد كانت جوستين بالنسبة لداريل تجسيدا لكل متناقضات البشر، فهي حورية من الجنة، ومصاصة دماء في الوقت ذاته.
ويصل عشق القنصل الفرنسي لها، لأن يقول بوميال، وهو أحد موظفي القنصلية: إن القنصل عاجز عن التفكير في أي شيء سوى جوستين، وقد انشغل الموظفين ـ طوال أسابيع ـ في جمع المعلومات عنها، تحيا فرنسا.
وهكذا صور داريل جوستين في صورة أسطورية، ولم أر ولا حتى في الأساطير، امرأة تجمع حولها كل هذا العدد من الرجال الذين يقدسونها، وإمعانا في جعلها شيئا بعيدا عن البشر فهو لم يحددها بإطار ولا ملامح لتحديد الهدف الذي أراده، فيقول:
هناك موضوعان من العبث أن يطرقهما المرء مع جوستين: عمرها ومنبتها، لم يكن هناك من يعرف ـ وربما نسيم نفسه ـ شيئا مؤكدا عنها، حتى متمجيان ـ علام المدينة ـ والذي يعرف كل شيء عن هذه الطبقة بدا عاجزا هذه المرة أمام ذلك.
ورسمت كليا صورة لجوستين، من فرط عشقها وتعلقها بها، وأمسكت كليا أنفاسها وحملقت في الصورة بكل الحنان الذي يمكن أن تبديه أية أم نحو طفلها الذي تعرف مدى قبحه، ولكن بالنسبة لها لا يقل جمالا عن أي طفل آخر.
لا يمكن أن تحب امرأة امرأة أخرى، كأم تحب طفلها، وتتعامل مع صورتها بكل هذه القدسية، وإنما أراد داريل أن يصور جوستين كنموذج للشخصية الإسرائيلية، التي استطاعت في هذه الفترة (التي سبقت الاستيلاء على فلسطين) أن تفرض الإعجاب على الكثيرين بالدعاية الكاذبة.
كتب الأستاذ فتحي رضوان في مقال له بمجلة الثقافة ـ بأنه في شبابه تأثر بالإعلام اليهودي، وأعجب بما يفعله اليهود في فلسطين إذ قامت مدينة تل أبيب الإسرائيلية مدينة عصرية نظيفة منسقة، كما قامت بها منشآت تربوية ومصانع وفنادق وفي مقدمتها فندق "هرزليا" نسبة إلى هرتزل نبي الصهيونية ومؤسسها، وكان الوفد مكونا من خلاصة المثقفين والرياضيين المصريين، ويذكر الأستاذ فتحي رضوان أن السيد أمين الحسيني ـ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وقائد كفاح الفلسطينيين ضد الغزو الصهيوني ـ قد رجا القائمين على أمر الرحلة أن يعدلوا عن زيارة تل أبيب، فلما لم ينجح، رجاهم أن يعدلوا عن المباراة التي ستقام بين الفريق المصري واليهودي، باعتبارها نشاطا عاما، تجتمع له في ملعب العاصمة الصهيونية الألوف فتتحول المباراة إلى مظاهرة مصرية ضد الفلسطينيين العرب، ولم يلتفت أحد إلى رجاء السيد أمين الحسيني، بحجة أن الرياضة أخلاق، وأنهم قد وعدوا بإقامة المباراة، وأن إخلاف الوعد بين الرياضيين جريمة لا تغتفر.
ولم يدرك أحد أن هذا النشاط الذي يعجبون به، ويثنون عليه، ويتمنون له النجاح، هو نشاط معاد، لا للفلسطينيين بل لمصر ذاتها(4).
***
من الثابت أن الاسم (يهودي) نسبة إلى سبط يهوذا (بالدال أو الذال)، وهو تلك العشيرة من أبناء يعقوب (إسرائيل) التي نبغ منها داود وسليمان، أعظم حكام بني إسرائيل على الإطلاق فانتسب الشعب كله إلى عشيرتهما وحملوا اسم اليهود(5). والمأثورات الخاصة بيهوذا، تصوره رجلا بعيدا عن الاستقامة والقداسة والطهارة حتى أن أرملة ابنه تحمل منه سفاحا(6).
والهوس الجنسي أيضا هو أهم ما يميز شخصية جوستين والشخصيات اليهودية الأخرى في الرواية، فتقول جوستين عن نفسها:
ـ لقد فعلت أشياء كثيرة في حياتي، ربما كانت أشياء شريرة، ولكنني لم أفعلها وأنا عاقلة، وبدون هدف لقد أخذت الأعمال ـ دائما ـ كأنها رسالات، رغبات يحملها الماضي للمستقبل، رغبات تدعو المرء أن يتعرف على ذاته(7).
وتقول أيضا:
ـ الطبيب الذي أحببته أخبرني بأنني مصابة بالهوس الجنسي السحاقي.
ويصور داريل كابوديستريا ـ وهو يهودي، يتصل بصلة قرابة لجوستين ـ في صورة حيوانية نهمة للجنس، يقول عن نفسه:
ـ لقد اختل أسلافي جميعا هنا في الرأس، حتى أبي، لقد كان زير نساء كبير، وعندما غدا عجوزا للغاية كان لديه نموذج مصنوع من المطاط للمرأة الكاملة، بحجمها الطبيعي، كان من الممكن ملؤه بالماء الساخن في الشتاء .. كانت رائعة الجمال، وكان يدعوها باسم أمه ويأخذها معه إلى كل مكان.
واستفحل مرض الشخصية الإسرائيلية حتى وصل ـ في بعض الأحيان ـ إلى الجنون المطبق بسبب أفواج المتطرفين والحمقى والمصابين بالهستريا والهلوسة وجنون العظمة وأحلام اليقظة وأزمات الاكتئاب واليأس والبكاء(8)، فالشخصية الإسرائيلية تعاني من انفصام الشخصية بين الإدعاء الكاذب بالعظمة والتفرد وبين واقعها المخزي بين شعوب الأرض، فقد اتخذ اسم اليهود معنى بغيضا بين الأمم، فهم أبناء هذه الطائفة المتمردة، المنطوية على نفسها، الشديدة التعصب إلى جانب صفات أخرى سيئة اكتسبوها من الظروف الشاذة التي عاشوها بين الأمم الأخرى على شكل أقلية محتقرة(9).
وجوستين ـ أيضا ـ شخصية مريضة على هذا المستوى بين نقيضين: اكتسابها العطف والإعجاب والتقديس ـ أحيانا ـ من بعض الشخصيات لجمالها، أو لضعف في تكوين الشخصيات التي تتعامل معها، وبين الإحساس بالاحتقار من الآخرين الذين لا تؤثر فيهم والذين يفهمونها على حقيقتها.
وتؤكد جوستين هذا في حديثها عن نفسها:
"إنني أبحث في كل مكان لاقتناص حياة جديرة بأن تعاش، ربما لو كان في وسعي أن أموت أو أجن لأمدني ذلك بؤرة تتجمع فيها كل مشاعري التي لم تجد لها متنفسا صحيحا".
وتقول أيضا عن نفسها: "أيتها اليهودية المتعبة، الدعية، المختلة، كم نبدو نحن غير أسوياء، وكم تبدو تلك العجرفة التي ورثناها ثم نورثها لأبنائنا"(10).
وفي كل المجتمعات اليهودية يتكون مجلس من اليهود كحكومة سرية داخل الدولة التابعين لها، يخضع له كل اليهود، يفرض عليهم الضرائب، ويصرف من تلك الضرائب على فقراء اليهود وعلى المنشآت الخيرية اليهودية، وتقوم هذه المجالس بتوقيع العقوبات على اليهود واستدعاء الأفراد للمهمات السرية، وسميت هذه المجالس بأسماء عدة منها القهل. وفي جوستين حكومة سرية داخل الإسكندرية تسمى هذه المرة بالقابال، يرأسها بلتازار طبيب الأمراض الجلدية والتناسلية اليهودي، والذي كان اختياره لدراسة هذا النوع من الطب عن حكمة فيقول: "إنني أعيش في قلب حياة المدينة، في جهازها البولي التناسلي، إنه نوع من الأماكن التي تجعل المرء يحس بالعقل وبالاتزان(11)، ويقول عن يهوديته: "إنني يهودي بكل ما في اليهودية من رغبة دموية وتعطش للقذارة على القياس المنطقي، إنها الدليل على نقاط الضعف العددية في تفكيري والتي أتعلم كيف أوازنها مع بقية نفسي، وذلك بشكل رئيسي عن طريق القابال"(12).
وتضم القابال مجموعة أخرى غير يهودية كنسيم والراوي وغيرهما، كما
يحدث ـ دائما ـ في الجمعيات التي أنشأها اليهود في العالم والتي يمكن أن تضم عناصر أخرى غير اليهود، كالماسونية والنورانية الخ، ويكون هدفها الرئيسي هو تدمير الحكومات والأديان بادعاءات كاذبة مثل:
* الوصول إلى حكومة واحدة تكون من ذوي القدرات الفكرية الكبرى.
* تجميع كل الأديان في دين واحد لكي لا يحدث صدام أو حروب بين البشر.
ويغلف بالتازار دعوة القابال السياسي بدعوات أخرى بعيدة عن النواحي السياسية:
* القابال: علم ودين معا، لم تفعل أي من الديانات العظمى أكثر من المنع والحرمان وإضافة قائمة طويلة من المحرمات، إلا أن المحرمات تخلق الرغبة التي أرادت الأديان علاجها.
* إن رسالة القابال ـ إن كان لها رسالة ـ أن تشرف الوظيفة الإنسانية حتى من قدر الأكل والإفراز ليرتفع إلى مرتبة الفنون.
يريد بالتازار أن يقول إن ليس للقابال هدفا سياسيا، لكنها دعوة لفلسفة كل الأشياء حتى عملية الأكل والإفراز لكن الراوي يذكر في صفحة 16:
"كنت أمر بها يوما بعد يوم وأنا في طرقي إلى مقهى الأقطار حيث ينتظر بلتازار بقبعته السوداء ليلقي عليّ بتعاليمه".
أي تعاليم هذه التي تلح على بلتازار ـ رئيس القابال ـ لأن يأتي إلى المقهى ليمليها على الراوي، إذا لم تكن تعاليم سياسية، كما أن القابال تجتمع في كوخ مهمل من أكواخ الحراسة بني عند الحوائط الترابية لسد قريب للغاية من عمود بومبي (عمود السواري)، ترى ما الذي يدفع بمجموعة من الشخصيات الهامة والملحوظة في الإسكندرية للاجتماع في حي كوم الشقافة الشعبي والقريب جدا من مدافن العمود ؟!.
ويجيب داريل على ذلك السؤال:
"أعتقد أن حساسية البوليس السقيمة للاجتماعات السياسية هي التي أملت اختيار هذا المكان".
وكانت الحلقة الداخلية للقابال تتألف من اثني عشر عضوا منتشرين بصورة واسعة على طول البحر المتوسط: في بيروت ـ ويافا ـ وتونس .. .. الخ، وفي كل مكان من هذه الأماكن يوجد معهد علمي صغير مكون من الدارسين الذين يتعلمون استعمال الحساب الغريب (حساب التفاضل والتكامل العاطفي) الذي وضعته جمعية القابال عن فكرة الإله.
ونستبعد فكرة حساب التفاضل والتكامل العاطفي هذه، لنرى الموضوع على حقيقته، أية جماعة تلك التي لها فروع على طول البحر المتوسط، والتي تجتمع بعيدا عن أعين البوليس، والتي يتبادل أعضاؤها رسائل بطريقة الشفرة والرموز، والتي يمكن القول إنها كتابة تقرأ من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين في أسطر متبادلة ؟.
ومن أهم الطرق المستخدمة للسيطرة على الدول عن طريق الجمعيات السرية المشابهة للقابال هو استعمال الرشوة بالمال والجنس للوصول إلى السيطرة على الأشخاص الذين يشغلون المراكز الحساسة على مختلف المستويات، وثبت ـ من الرواية ـ أن نسيم من المهمين في الإسكندرية، وأنه كان قريبا من الملك نفسه ـ وثبت أيضا أن بالتازار كان يلجأ إلى استخدام الجنس للسيطرة على من يريد السيطرة عليهم، فتقول جوستين:
"لقد كان بلتازار هو الشخص الوحيد الذي في وسعي أن أخبره بكل شيء، لم يكن ليفعل شيئا سوى أن يضحك ولكنه يساعدني بصورة ما على أن أطرد الفراغ الذي أحسه في كل ما أفعل".
فلكي يتمكن من السيطرة على أفراد جماعته يصور لهم القيم والمثل كأشياء تافهة لا قيمة لها:
* كل غيور على زوجته فاسق.
* إن الحب العاطفي الحاد نوع من الزنا ـ أيضا ـ حتى لو كان من رجل مع زوجته.
وتؤكد سلمى الجيوسي في مقدمة ترجمتها للراوية: أن بالتازار وجماعته كانت لهم أهدافهم السياسية، وأن عملية التفاضل والتكامل العاطفي هذه ما هي إلا غطاء لما يريدون فعله، وتقول:
" .. فجوستين ـ بطلة الرواية ـ مثلا ـ تستعمل كل أساليب اليهود: السحر، الحب، الإغراء في سبيل أهداف سياسية".
ولتكتمل صورة الشخصية الإسرائيلية لجوستين فهي عندما أرادت أن تهرب، هربت إلى إسرائيل .. واقترحت على (كليا) أن تلقاها للحظات في حيفا وهي مسافرة إلى سوريا، وتتقابلان قريبا من المستعمرة التي تعمل جوستين بها، تقول كليا عن هذا اللقاء:
ـ وقد وجدت ـ في بادئ الأمر ـ صعوبة في التعرف عليها، لقد سمن وجهها كثيرا، وقصت شعرها من الخلف بطريقة مهملة، حتى أنه كان ملتصقا ببعضه كذنب الفأر، وفي اعتقادي أنها تضمه أغلب الوقت بقطعة من القماش، لم يعد هناك أثر لرشاقة، أو شياكة الماضي، وتبدو تقاطيعها ـ وقد اتسعت ـ تقاطيع يهودية كلاسيكية ـ الشفاه والأنف يميلان أكثر فأكثر نحو بعضهما البعض، لقد صدمت في بادئ الأمر بعينيها اللامعتين وبالطريقة السريعة الصارمة التي تتنفس بها وكأنها محمومة.
لم تعد جوستين داخل إسرائيل في حاجة إلى جمالها ورشاقتها، لقد أدت ما عليها، ولجؤها إلى إسرائيل هو نهاية المطاف لدأبها وبحثها عن التدليل والتميز من عناصر أخرى غير يهودية، لتتعامل في إسرائيل مع أشخاص آخرين يبحثون مثلها عن التدليل والتميز من عناصر أخرى، لكن بعيدا في دول أخرى.
***
لقد استطاع داريل ـ رغم أي قول يقال عنه ـ أن يصور بصدق وخبرة واعية ما يفعله اليهود في العالم خاصة في البلاد العربية، في فترة كانوا يستعدون فيها للاستيلاء على فلسطين، واستطاع ـ أيضا ـ أن يصور التناقض الذي تعيش فيه الشخصية الإسرائيلية من خلال الحالة المرضية التي تعيشها جوستين .. (الممثلة عنده للشخصية الإسرائيلية ككل) وتقول سلمى الجيوسي أيضا:
"ولا شك أن القارئ العربي سيضيف إلى معرفته العامة بأساليب اليهود خبرة دقيقة مباشرة، ومهما ذكرنا أنفسنا بأن الأحداث والشخصيات من ابتكار الكاتب فإني أظل أرى فيها نسيجا واقعيا يفضح الأساليب التي كان اليهود يتبعونها في قلب الوطن العربي".
(1) ـ مجلة عالم القصة ـ سبتمبر 1979.
(2) ـ د. حسن ظاظا ـ الشخصية الإسرائيلية ـ مجلة عالم الفكر ـ العدد الرابع ـ مارس 1980.
(3) ـ جوستين.
(4) ـ فتحي رضوان: الصديقان اللدودان: الثقافة والسياسة ـ مجلة الثقافة العدد السادس ـ مارس 1974.
(5) ـ الشخصية الإسرائيلية ـ د. حسن ظاظا.
(6) ـ الشخصية الإسرائيلية ـ د. حسن ظاظا.
(7) ـ جوستين.
(8) ـ الشخصية الإسرائيلية ـ ص60.
(9) ـ الشخصية الإسرائيلية ـ ص17.
(10) ـ جوستين.
(11) ـ جوستين.
(12) ـ جوستين.
|