متحف الإسكندرية القومى.. إطلالة على تاريخ مصر!!

حكاية مقر تاجر الأخشاب الذى تحول إلى متحف الإسكندرية القومى!

تحقيق/ حسام عبد القادر

لا يمكن أن نروى تاريخ مصر كله فى يوم أو حتى عدة أيام فلابد للسائح مثلاً أن يتعرف على حقبة معينة من هذا التاريخ وتدريجيا يتعرف على باقى الحقب الزمنية والعصور فمنذ بداية العصر الفرعونى مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والعصر القبطى ثم الإسلامى وأخيرا الحديث كل هذا لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يتعرف عليه السائح الذى قدم إلى مصر سواء لعدة أيام أو ليوم واحد، ولكن الآن أصبح هذا ممكناً من خلال متحف الإسكندرية القومى، هذا المتحف الذى تم تشييده على أعلى مستوى عالمى فى التقنيات المتحفية واستخدم أحدث وسائل العرض لأول مرة على مستوى مصر وافتتحه الرئيس حسنى مبارك فى لفتة رائعة منه أعطت للمتحف أهمية عالمية ووضعته على خريطة السياحة العالمية. ولكن كيف استطاع متحف الإسكندرية القومى أن يضم تاريخ مصر أجمع وأن يعرض هذا التاريخ للسائح فى شكل مبسط وجميل..؟ هذا ما سنتعرف عليه فى السطور القليلة القادمة على لسان القائمين على المتحف والذين أعطوا كل جهدهم من أجل أن يتم إنجاز هذا الصرح الثقافى خلال عام فقط، وهى مدة زمنية قياسية مقارنة بما تم إنجازه..

منارة ثقافية على أرض الإسكندرية
يؤكد الدكتور زاهى حواس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن المتحف القومى يعد هو المتحف الأول من نوعه والذى سيكون بحق منارة ثقافية على أرض مدينة الإسكندرية، فهو متحف تعليمى وثقافى من الدرجة الأولى لأنه يروى تاريخ مصر من خلال مدينة الإسكندرية والتى تعتبر أعظم مدينة كان لها تأثير كبير على الحركة الثقافية والسياسية والتعليمية فى العالم القديم. وعقب الافتتاح مباشرة سنبدأ فى تجديد وتطوير المتحف اليونانى والرومانى بالإسكندرية والذى يستغرق العمل به حوالى عامين بالإضافة إلى أعمال تطوير باقى مناطق الإسكندرية الأثرية بالكامل مثل كوم الشقافة وكوم الدكة وعامود السوارى لتصبح مناطق أثرية سياحية على مستوى العالم، لأنه لا يليق أبداً أن تهمل الآثار فى مدينة مثل الإسكندرية لها تاريخها وحضارتها.
قصة مبنى المتحف
ولمبنى المتحف قصة طريفة يحكيها لنا إبراهيم درويش مدير المتحف حيث كان هذا المبنى ملكا لتاجر أخشاب بالإسكندرية هو أسعد باسيلى باشا وكان عبارة عن فيلا ضخمة على مساحة 3600 مترا بناها على الطراز الإيطالى، وتعد من الفيلات القلائل فى الإسكندرية نظرا لفخامتها وطرازها المعمارى الفريد، وخوفاً من التأميم قام هذا التاجر ببيعها للسفارة الأمريكية بمبلغ 53 ألف جنيه مصرى عام 1954 واستغلتها السفارة الأمريكية حتى عام 1997 ثم اشترتها وزارة الثقافة من السفارة الأمريكية بمبلغ 12 مليون جنيه لتصبح متحف الإسكندرية القومى، وبدأ العمل فى إنشاء المتحف منذ عام تقريبا وتم إنجازه خلال هذا العام وتكلف 13 مليون جنيه وهو مبلغ ضئيل جدا مقارنة بما كان مرصوداً له وهو مبلغ 22 مليون جنيه وذلك راجع إلى أن القائم بالتنفيذ هى وزارة الثقافة نفسها وليست شركة من الشركات وهى نقطة هامة جدا فى رأيى -والكلام ما زال على لسان إبراهيم درويش- لأن كون أن يكون التنفيذ من وزارة الثقافة نفسها فهذا دليل على أهمية هذا الحدث إضافة إلى الحفاظ على الأثار التى تم نقلها من عدة متاحف ومن مخازن متعددة تابعة لهيئة الآثار والحفاظ على هذه الآثار والتى لن يحفظها إلا صاحبها بأى حال من الأحوال وبالتالى جاء العمل على أحدث وجه وفى وقت زمنى قياسى وبمبلغ يعد نصف ما كان مرصوداً.
ويضيف إبراهيم درويش أن المتحف يضم أكثر من 1800 قطعة أثرية من كل العصور بداية من الفرعونى ثم اليونانى والرومانى حتى أسرة محمد على، من ضمنها 300 قطعة من المتحف المصرى بالقاهرة أهمها رأس إخناتون وتمثال آمون ومجموعة نادرة من القطع الأثرية تعرض لأول مرة كما تم ضم قطع من المتحف اليونانى والرومانى بالإسكندرية ومن الآثار الإسلامية ومن الآثار الغارقة وأهمها الاستيلا التى عثر عليها فى هيراكليوم بأبى قير شبيهة لوحة نوقراطيس فى المتحف المصرى، وأيضا تمثال الكاهن الذى عثر عليه فى الحى الملكى بالميناء الشرقى، والمتحف يعرض للشخصية المصرية من خلال المعروضات التى توضح كافة ما طرح على تاريخ مصر من أحداث قومية وعالمية تمثلت فى العصور الفرعونية ثم العصر البطلمى والرومانى والإسلامى ثم حقبة العصر الحديث التى تبدأ بأسرة محمد على وتنتهى بقيام ثورة يوليو، كما تم تنفيذ وسيلة عرض متحفى جديدة تماما على المتاحف المصرية وهى عرض الآثار معلقة فى فتارين زجاجية بنظام إضاءة خاص ونظام جديد فى غلق وفتح هذه الفتارين.
ألوان قاعات العرض تناسب كل حقبة زمنية
ليس هذا فقط وإنما روعى فى كل جناح من أجنحة المتحف أن تتلاءم ألوانه مع العصر الذى يعرض فى هذا الجناح، فاللون الأسود هو الغالب على جناح العصر الفرعونى لأن المصرى القديم كان ينتظر دائماً الموت ويتطلع إلى الخلود والآخرة، بينما كان اللون السماوى السائد فى الجناح الخاص بالعصر اليونانى والرومانى لأنهم كانوا يميلون إلى الواقعية ومتمسكين بالحياة، ثم اللون الأخضر "الفزدقى" فى الجناح الخاص بالعصر الإسلامى والذى يرمز إلى الجنة ونعيمها، ولذلك فكل لون جاء مميزا لفلسفة معينة تناسب العصر الذى تعبر عنه.
ويقترح إبراهيم درويش أن يتم رفع قيمة التذكرة إلى خمسة جنيهات للمصرى و20 جنيه للأجنبى حتى يكون هناك جدية من زائرى المتحف لأن السعر الزهيد مثل الجنيه الواحد سيجعله مع الأسف تسلية لكل المارين فى اتجاه المتحف دون اهتمام فعلى بزيارة الآثار وهو ما رأيناه فى العديد من المتاحف.
قاعة للمحاضرات ومسرح مكشوف
ويضيف أيمن عبد المنعم المشرف على مشروع المتحف وصاحب سيناريو العرض المتحفى أن المتحف ولأول مرة أيضا على مستوى متاحف مصر يضم قاعة للمحاضرات تسع حوالى 150 شخصا ومسرحاً مكشوفاً يسع حوالى 1000 شخصا ليكون مركز إشعاع ثقافى وليس مجرد عرض للآثار فقط، وسوف نبدأ بموسم مسرحى خلال سبتمبر وأكتوبر القادم ونعد لهذا الموسم بعد الافتتاح مباشرة وقد قسمت أعمال الترميم على مرحلتين الأولى ضمت جميع أعمال الترميم للمبنى من الداخل والخارج وإعادة العناصر المعمارية إلى أصلها مع الحفاظ على طرازه الفريد كمبنى فى الوقت الذى تم الاهتمام برفع كفاءة المبنى من الناحية الانشائية بالإضافة إلى تأمين المبنى بالكامل بتزويده بأجهزة الإنذار ضد الحريق والسرقة وغيره، ثم المرحلة الثانية وقد شملت أعمال العرض المتحفى حيث تم وضع الفتارين المعلقة لأول مرة بالإضافة إلى الأماكن الأخرى بالمتحف بالإضافة إلى مخازن المتحف ومعمل الترميم وصالة عرض أفلام وكافتيريا تم تصميمها بالكامل على أحدث الطرز العالمية. 
أجمل التوابيت المذهبة فى مخبأ الغارات الجوية
ويقول الأثرى أحمد عبد الفتاح مدير عام آثار ومتاحف الإسكندرية أنه أثناء زيارة فاروق حسنى وزير الثقافة لتفقد الأعمال فى المتحف أبدى اهتماما كبيراً بما تم من أعمال ترميم وعرض للآثار وفقاً لأحدث المستويات العالمية، ومن القطع التى تفقدها الوزير تابوت ومومياء مذهبة تعتبر من أجمل التوابيت المذهبة والتى عثر عليها فى مصر حتى الآن وبداخلها مومياء وهى التى سوف تعرض فى القبو الرئيسى بالمتحف الذى كان مستعملاً كمخبأ من الغارات الجوية أيام صاحبه أسعد باسيلى باشا، وقد طلب وزير الثقافة وضع حواجز زجاجية على بعض اللوحات الأثرية الملونة حفاظاً على الألوان وسلامتها أثناء الزيارة، كما طالب بعمل تخفيف للعرض المتحفى لبعض الأوانى الفخارية وكذلك القلادات حتى يتم العرض على المستوى العلمى المتحفى الذى يليق بالمتحف.
غرفة التصنت الأمريكية تحولت إلى معروضات أسرة محمد على 
ويضيف أحمد عبد الفتاح أن العرض المتحفى داخل المتحف استطاع الحفاظ على جميع عناصر القصر المعمارية النادرة بدءا من أعمدة المدخل المحلاة بالنحاس المحلى بالذهب والمرايا والدفايات والأفاريز الرخامية الرائعة والنوافذ، كل هذا تم الحفاظ عليه تماماً، كما يعرض المتحف تمثالا لأجمل سيدة أخرجتها الحفائر الحديثة بالإسكندرية منذ عام 1908 والتى يعتقد العلماء أنها إحدى ملكات البطالمة أو إلهة من إلهات الجمال من فرط جمالها، كما أن المتحف يعرض أجمل التماثيل الأثرية من عصر بناة الأهرام ولأول مرة تعرض خارج القاهرة والجيزة بعض التماثيل من الحجر الجيرى عيونها من البللور الصخرى وهى مجموعة رائعة، كما يعرض مجموعة من تماثيل الخدم الذين كانوا يقومون بالأعمال اليومية من تقديم المشروبات وأعمال الفلاحة.
ومن الطرائف أن غرفة التصنت والاتصال المباشر مع البيت الأبيض أيام القنصلية الأمريكية تحولت الآن إلى أجمل قاعة عرض متحفى لأسرة محمد على والنوافذ الإسلامية المطعمة بالصدف، أما جراج القنصلية فقد تحول إلى قاعة للمحاضرات والسينما، أما سطح القنصلية والذى كان غير مستغل فقد تحول إلى كافتيريا على أحدث طراز، هذا بالإضافة إلى أن المتحف سوف يستمر نشاطه حتى الساعة العاشرة مساء من أجل الأنشطة الثقافية والندوات والمحاضرات.
حكاية إيزيس وآمون واخناتون مع الترميم فى المتحف
وحول ترميم المعروضات والجهد الذى بذل فيها تقول أميرة أبو بكر مدير عام ترميم متاحف الإسكندرية ومطروح والتى قادت فريق المرممين العاملين فى متحف الإسكندرية القومى: إن أهم المعروضات التى تم ترميمها مجموعة نسيج من العصور القبطية والإسلامية معروضة فى المتحف وتعتبر من أكبر قطع النسيج المعروضة تصل أطوال القطعة الواحدة إلى أربعة وأحيانا خمسة أمتار وعرضها 70 سم وهى قطع من العصر الإسلامى، ورداء قبطى لأحد القساوسة من العصر القبطى مزخرف بخيوط من الفضة والحرير، هذا بالإضافة إلى ترميم عدد 50 قطعة صغيرة من الزخارف فى العصر القبطى والمعادن والمسارج البرونز والنحاس التى تم ترميمها بمعمل كوم الدكة.. وكل القطع دون استثناء احتاجت إلى صيانة أو ترميم قبل العرض لأنها كانت مخزنة بالمخازن ولا يمكن عرضها بعد إخراجها من المخزن مباشرة، ولكن هناك قطع معينة احتاجت إلى مجهود شاق وعمل مضن من أجل عرضها، مثل اللوحات الحجرية الفرعونية الملونة، فقد أخذت وقتاً كبيراً فى الإعداد للعرض من تنظيف وصيانة وتقوية، أما تمثال إيزيس الذى أخرجته الآثار الغارقة وعرض فى قاعة الآثار الغارقة فقد استغرق أربعة أيام لكى نقوم بإيقافه بسبب الجزء المفقود فى أسفل الجزع والمرتبط بالساق فاستغرق هذا الوقت الكبير لضبط الجسم ليصبح شكله ملائما للعرض بالإضافة إلى حجمه الضخم، وكذلك تمثال اخناتون وأيضا آمون الفرعونى وهو من البازلت الذى يزن طنا ونصف طن حيث واجهتنا صعوبة إيقافه، وخاصة أن العمل يتم يدويا لعدم إمكانية إدخال أى ونش أو آلات رفع داخل قاعة المتحف.
وتضيف أميرة أبو بكر أنه سيكون هناك متابعة دورية بتقارير لأعمال الصيانة داخل المتحف وخاصة بالنسبة للمعروضات وقد تم وضع جهاز خاص لقياس درجة الرطوبة والحرارة والتحكم فى الجو الخاص داخل الفتارين وخصوصاً فاترينة المومياوات للتعقيم وامتصاص الرطوبة والحفاظ عليها وسط جو معتدل.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان