مسجد أبو العباس.. إطلالة على تاريخ الإسكندرية
 

 

توفى هذا الصوفى المغربى العظيم فى ذى القعدة سنة 685هـ (1287) فدفن فى قبره المعروف بالجبانة القديمة إزاء رباط الشاطبى خارج باب البحر من ظاهر الإسكندرية بمحرس سوار قريبا من قبة المغاورى، وظل قبره قائماً وحده دون بناء يحيط به، ويقصده الزوار للتبرك به إلى أن كانت سنة 706 (1307) حيث زاره كبير تجار الإسكندرية وقتذاك الشيخ زين الدين بن القطن وبعد هذه الزيارة بنى على القبر ضريحاً وقبة، وأنشأ له مسجداً حسناً ذا منارة مربعة الشكل وحبس على الجميع بعض أملاكه. أما عناية السلاطين فكانت أهدافها المنشآت الحربية والدينية والعمرانية القديمة فى المدينة، يوالونها بالإصلاح والترميم والتحصين والتقوية، وقد يقيمون إلى جانبها منشآت جديدة من نفس النوع، وأهم ما عنى به سلاطين المماليك من هذه المنشآت: المنارة، والأسوار، وما يتصل بها من قلاع وأبراج وحصون والخليج، والدور الحكومية المختلفة: كدار الصناعة، ودار الطراز، ودار الضرب، ودار النيابة، وخزائن السلاح، إلخ، وأخيراً المساجد والمدارس وما يتصل بها.
كان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى أول من توفر على العناية بالإسكندرية من سلاطين المماليك، فقد ذكرت المراجع أنه زار المدينة أربع مرات، وأنه كان يترك بها فى كل زيارة من هذه الزيارات أثراً يدل على مبلغ اهتمامه بها.
أما الزيارة الأولى فقد وصفها المؤرخ جمال الدين بن واصل فى كتابه "مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب" لوصفه أهمية خاصة فقد كان شاهد عيان لها، لأنه كان فى معية السلطان، وقد ذكر فى هذا الوصف أن السلطان دخل من باب رشيد، وأنه أمضى نهاره كله فى الإشراف على مهمات الثغر وأمور المدينة، ثم أمر بكسوة الجامع وعمل قناديله وعمارته من ماله الخاص، واتجه بعد ذلك لزيارة الشيخ القبارى- وكان يقيم فى بستانه بأطراف المدينة فلما أتاه وتحدث إليه لم يكن للشيخ من حاجة يزجيها إلى السلطان إلا نصحه إياه أن يعنى بعمارة الثغر وتحصينه، فقدر بيبرس نصحه وخرج من عنده فقصد مباشرة إلى أسوار المدينة فطاف بها وأمر بترميمها والعناية بها، ثم اتجه بعد ذلك لزيارة شيخ الإسكندرية ومتصوفها الثانى الشيخ الشاطبى.
وفى زيارته الثانية سنة 664هـ (1265) لاحظ بيبرس أن خليج الإسكندرية قد طمرته الرمال فى بعض المناطق، فاهتم بحفره، وباشر الحفر بنفسه، وعمل فيه الأمراء وسائر الناس حتى زالت الرمال التى كانت على الساحل بين النقيدى وفم الخليج.
وفى سنة 671هـ (1272) علم بيبرس –وهو مقيم بالقاهرة- بتأهب الفرنج للحركة نحو ثغور مصر، فاهتم بأمر الشوانى، ونصب على أسوار الإسكندرية نحو مائة منجنيق لإحكام الدفاع عنها.
وفى زيارته الرابعة سنة 673 (1274) لاحظ بيبرس أن منارة الإسكندرية قد تهدمت وتشعث بناؤها، فأمر ببناء ما تهدم منها، وأنشأ فى أعلاها مسجداً مكان قبة كان قد أقامها هناك أحمد بن طولون، ثم أسقطتها الرياح فى سنوات سالفة.
وكان الناصر محمد بن قلاوون ثانى من اهتم بثغر الإسكندرية من سلاطين المماليك، ففى سنة 702 (1302) وفى عهد سلطنته الثانية، حدث بالشرق الأدنى زلزال وأصاب هذا الزلزال فيما أصاب مدينة الإسكندرية ومنارها وسورها وحصونها، وقد روى المقريزى أن ما هدم من السور كان ستاً وأربعين بدنة وسبعة عشر برجاً، وأن السلطان قد كتب إلى والى الإسكندرية بعمارتها فعمرها، أما المنار – وكان قد سقط من أعلاه نحو أربعين شرفة- فقد عمره الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير سنة 703هـ.
رحلات ابن بطوطة للإسكندرية
ويبدو أن العناية بترميم ما هدم من المنار لم تكن كبيرة، فقد زاره ابن بطوطة فى رحلته الأولى إلى مصر سنة 725هـ (1325م) أى بعد حوادث الزلزال بثلاث وعشرين سنة –وقرر أنه رأى أحد جوانبه مهدما، ولعل السر فى هذا أن الناصر محمداً كان قد اعتزم إقامة منار جديد بإزاء المنار القديم، لهذا أهمل المنار القديم طول عهده حتى نالت منه يد البلى والخراب، ولم يعد صالحاً للاستعمال البتة، فلما زاره ابن بطوطة فى رحلته الثانية فى سنة 750 (1349-1350) وصفه بقوله: "وقصدت المنار عند عودتى إلى بلاد المغرب عام خمسين وسبعمائة، فوجدته قد استولى عليه الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه، وكان الملك الناصر قد شرع فى بناء منار مثله بإزائه فعاقه الموت عن إتمامه".
ولهذا الوصف أهمية خاصة فهو يشير إلى معلم جديد من معالم المدينة، وهو المنار الجديد الذى أنشئ بإزاء المنار القديم –أى فى نهاية رأس لوكياس أو رأس السلسلة- وأن هذا المنار بدئ فى بنائه فى عهد الناصر محمد بن قلاوون، وأنه تم فى عهود من أتى بعده من السلاطين، ويؤكد أقوال بن بطوطة أننا نرى هذا المنار الجديد مثبتاً واضحاً فى الرسومات التى رسمت للمدينة بعد ذلك بقليل فى القرن الخامس عشر الميلادى وما بعده..
هدية الناصر محمد بن قلاوون للإسكندرية
أما أكبر هدية قدمها الناصر للإسكندرية فهى الخليج الناصرى، فقد بلغه فى سنة 710 –وفى عهد سلطنته الثالثة- أن خليج الإسكندرية القديم قد طمرته الرمال فلم تعد مياه النيل تصل إلى المدينة، وأصبح سكانها يشربون من المياه المخزونة فى الصهاريج، وأن السفن لم تعد تصل بالتجارة وبالبضائع إلى الإسكندرية، وسافر متولى الإسكندرية إلى القاهرة وقابل السلطان الناصر، وبين له المنافع التى تعود على المدينة خاصة وعلى الدولة عامة لو أعيد حفر الخليج. وأعجب السلطان بالفكرة وندب الأمراء للإشراف على تنفيذ المشروع، وكان يشترك فى حفر الخليج أربعون ألف رجل وفرد لأهل كل ناحية قطعة يحفرونها حتى كمل، وتنفيذ هذا المشروع يعد من أهم الأعمال العمرانية التى تمت فى عهد الناصر محمد –إن لم تكن أهمها- فقد انتقل بمخرج الخليج من الضهرية (أو الظاهرية وهى شمال كفر الزيات بقليل) إلى العطف حيث تخرج ترعة المحمودية الحالية ثم أنشأ الجزء الواصل من العطف إلى كفر الحماية إلى الإسكندرية، وعظمت المنفعة بتنفيذ هذا المشروع، فإن السفن جرت فيه طوال السنة، واستغنى أهل الإسكندرية عن شرب مياه الصهاريج، وبادر الناس للعمارة على جانبى الخليج فلم يمض غير قليل حتى استجد –كما يقول المقريزى- ما يزيد على مائة ألف فدان زرعت بعد ما كانت سباخاً، وما ينيف على ستمائة ساقية برسم القلقاس والنيلة والسمسم، وفوق الأربعين ضيعة، وأزيد من ألف غيط بالإسكندية، وعمرت منه عدة بلاد كثيرة وتحول عالم عظيم إلى سكنى ما استجد فيه.
يعنينا من هذا الوصف ما يشير إليه المقريزى من آثار حفر هذا الخليج على المدينة تجارياً وعمرانياً وإمكان زراعة ألف غيط جديد داخل مدينة الإسكندرية، وهذه حقيقة تؤكدها رسومات المدينة، فالأجزاء الجنوبية من المدينة تغطيها –فى هذه الرسومات- الحقول والبساتين.
وظل هذا الخليج –الذى سمى بالناصرى منذ ذلك الحين- يجلب هذه المنافع إلى الإسكندرية ومديرية البحيرة ستين سنة كاملة أى إلى سنة 770هـ (1368) حيث قلت العناية بتطهيره، فطمرته الرمال، وصار الماء لا يدخل فيه إلا فى أيام الفيضان ثم يجف زمن التحاريق، فتلف من أجل هذا أكثر بساتين الإسكندرية وخربت وتلاشى كثير من القرى التى قامت على ضفتى هذا الخليج، وظل الخليج على هذه الحال السيئة ستاً وخمسين سنة أخرى إلى أن تداركه السلطان الملك الأشرف برسباى بعنايته، فأعاد حفره فى سنة 826 (1423)
وتوفى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وخلفه على عرش مصر عدد كبير من أولاده وأحفاده لم تكن لهم شخصيته الفذة ولا همته العالية، بل كان معظمهم أطفالاً صغار السن فاستبد بشؤون الملك دونهم كبار الأمراء من المماليك وكرت المنافسات بين هؤلاء الأمراء حتى شغلهم النزاع فى سبيل الاستئثار بالسلطان عن العناية بشؤون مصر عامة والثغور خاصة.
واتجهت أنظار بقايا الصليبيين فى قبرص إلى الإسكندرية ووصلت أساطيلهم بقيادة "بطرس لوسيان" ملك قبرص إليها فى سنة 767هـ (1365) أى فى عهد السلطان الطفل الأشرف شعبان حفيد الناصر محمد.
واستطاع جنود هذه الحملة أن ينزلوا إلى البر، وأن يقتحموا أبواب المدينة ويدخلوها بعد مقاومة ضئيلة ولم يستطع جنفرا –وإلى المدينة- أن يصمد لمقاومة القبارصة، ففر إلى دمنهور، وفر معه من استطاع النجاة بنفسه من الجند والأهالى، وعاث الصليبيون فى المدينة فساداً، فقتلوا معظم من بقى بها، وأسروا الباقين وخربوا المدينة تخريباً تاماً، وهدموا دورها وقصورها، ونهبوا فنادقها ومتاجرها، ونقلوا هذا كله إلى سفنهم، ولم ينقذ المدينة إلا اختلاف دب بين رجال الحملة، فقرروا مغادرة الإسكندرية والعودة إلى جزيرتهم بعد أن قضوا بها أربعة أيام لم يتوانوا خلالها عن التخريب والتدمير والنهب والسلب ووصلت نجدة السلطان بعد أن غادر جنود الأعداد المدينة، وبعد أن أخذوا من الأموال ذهباً وحريراً وبهاراً وغير ذلك ما لا يحد ولا يوصف.
الإسكندرية محط أنظار الفرنج
وقد شعر السلطان الملك الأشرف شعبان منذ تلك الواقعة أن الإسكندرية قد غدت محط أنظار الفرنج، فزادت عنايته بها، ورفع مكانتها، وزاد فى قدر حاكمها، فبعد أن كانت ولاية وال من أمراء الطبلخاناه جعلها الأشرف شعبان –فى نفس السنة التى غزاها فيها القبارصة –نيابة يحكمها نائب من الأمراء المقدمين، له ما للسلطان فى القاهرة فله دار النيابة –وهى مقر حكمه- وجعل فى دار النيابة هذه كرسى للسلطنة، كما رسم بأن يكون للنائب مواكب رسمية خاصة تسير فى طريق محدد –شأن المواكب السلطانية بالقاهرة- فكان موكب نائب الإسكندرية يبدأ من دار النيابة، فيخرج من باب البحر، ويسير خارج المدينة قدر ساعة، ثم يعود من نفس الطريق إلى دار النيابة، فإذا كان الموكب من المواكب التى يتلوها السماط وضع كرسى السلطنة فى صدر الإيوان مغشى بالأطلس الأصفر، ووضع عليه سيف بمنجاة سلطانية، ومد السماط تحته، وجلس النائب فى ناحية من الإيوان بجوار شباك يطل على الميناء، وجلس رجال الدولة بترتيب خاص شأنهم فى ذلك شأن رجال الدولة فى مجلس السلطان بالقلعة.
وهذا الوصف للموكب، وإن كان لا يحدد موقع دار النيابة تحديداً دقيقاً –إلا أنه يمكن تحديد هذا الموقع تحديداًَ تقريبياً، لأنه ينص على أن شباكها الذى كان يجلس النائب إلى جانبه كان يطل على الميناء، والمقصود هنا الميناء الشرقية، لأن الوصف نصل مرة ثانية على أن الموكب كان يبدأ من درا النيابة، ثم يخرج من باب البحر، وباب البحر هو المؤدى إلى الميناء الشرقية، فدار النيابة إذن كانت فى مكان ما بميدان محمد على الحالى بحيث تطل على الميناء الشرقية، ولهذا الوصف أهمية أخرى عند التعرف على طبوغرافية المدينة فى هذا العصر المملوكى، فهو ينص على أن الموكب كان يسير بعد خروجه من باب البحر خارج المدينة قدر ساعة، أى أن هذه الرقبة التى تصل المدينة بجزيرة فاروس كانت حتى أواخر القرن الثامن الهجرى لا تزال تعتبر من أرباض المدينة، وأنها لم تكن قد سكنت بعد، وستفيدنا هذه الحقيقة عند تتبع طبوغرافية المدينة وما طرأ عليها فى العصر العثمانى، فإن العمران سيتحول فى هذا العصر عن المدينة، ويمتد إلى هذه الرقبة ويستقر بها حيث تصبح هى وحدها المدينة كل المدينة.
وصف النويرى للإسكندرية
وفى سنة 770هـ (1368-1369) كان السلطان الملك الأشرف شعبان قد شارف البلوغ وقارب السادسة عشرة من عمره واستطاع أن يدبر شئون الحكم بنفسه فرأى أن يذهب إلى الإسكندرية ليشرف على حصونها ومنشآتها وأسوارها ووسائل الدفاع عنها، وقد شاهد هذه الزيارة المؤرخ السكندرى محمد بن القاسم بن محمد النويرى، ووصفها وصفاً مسهباً، ولهذا الوصف قيمة خاصة لأنه يتضمن بيانات نادرة عن تاريخ المدينة وطبوغرافيتها فى ذلك الوقت، وبمراجعته نستطيع أن نرسم تصوراً تفصيلياً للمدينة وأسوارها وأبوابها والكثير من أحيائها ومعالمها وشوارعها فى ذلك العصر، فهو يذكر أن السلطان دخل المدينة من باب رشيد ثم يعدد الأحياء التى مر بها إلى أن وصل إلى باب البحر المقابل للميناء الشرقية، فيقول إنه سار بعد دخوله من باب رشيد فيما كان يسمى وقتذاك بالحجة العظمى –وهو ما نرجح أن يكون شارع فؤاد الأول الحالى أو الطريق الكانوبى القديم- ومنها إلى جدار القصارين، إلى الصادر إلى أن خرج من باب البحر فنثر عليه مقابل دار العدل ودار الطراز دنانير التقطها الناس.
هذه أحياء ومعالم قد زالت ولم يعد لها أثر فى الإسكندرية الحديثة، وإنما بقيت لها دلالتها الهامة عند كتابة تاريخ المدينة العمرانى والاقتصادى، فالنويرى يذكر أن الطريق إلى باب البحر كان فى نهايته- وبالقرب من هذا الباب- جدار القصارين، وهو ساحة يباشر فيها القصارون تقصير الثياب، أى دقها وضربها، وهى مرحلة صناعة النسيج فى تلك العصور وبالقرب من ذلك الجدار معلمان اقتصاديان هامان، أحدهما له أهمية تجارية -وهو الصادر- أى مخازن التجارة الصادرة إلى الخارج تحملها سفن الفرنجة التى كانت تفد إلى الميناء الشرقية فحسب، ولا تجرؤ على الدخول فى الميناء الغربية الخاصة بسفن المسلمين وثانيهما له أهمية صناعية وهو دار الطراز، ودار الطراز مصطلح كان يطلق فى تلك العصور على مصنع النسيج وهى على نوعين دار الطراز الخاصة وبها تنسج ملابس السلطان وخاصته وحريمه، والخلع على رجال الدولة فى المناسبات الخاصة، ودار الطراز العامة وبها تنسج الأقمشة الشعبية.
ويفهم من وصف النويرى أيضاً أن الإسكندرية فى أواخر القرن الثامن الهجرى كان يحيط بها أسوار ثلاثة أحدها داخلى مما يلى البلد، وثانيها خارجى يشرف على ما يحيط بها، والثالث بينهما، فهو يقول وهو يصف موكب السلطان عند دخوله المدينة: "... إلى أن خرج من باب البحر الذى يلى البلد، ثم سار وخرج من باب البحر الثانى، ثم الثالث؟. فشاهد البحر المالح، والميناء بها مراكب الفرنج".
وكان هناك بين كل سور والآخر فاصل يفصل بينهما، كما كان للسور الخارجى المطل على البحر أبراج وقلاع ضخمة مشحونة بالعدد والأسلحة والأتراس وتخفق عليها الأعلام.
وكان للسور الخارجى أبواب عدة: أهمها باب رشيد فى شرق المدينة، وباب البحر فى شمالها، الباب الأخضر وباب القرافة فى غربها، وباب سدرة أو باب العامود أو باب البهار فى جنوبها. وذكر النويرى أيضاً أن الأشرف شعبان لما خرج من باب البحر الخارجى شاهد الخندق الجديد الذى أنشأه نائب المدينة الأمير صلاح الدين بن عرام بعد واقعة القبارصة "ولم يكن قبل ذلك فى المكان خندق" كما ذكر أنه كان هناك خندق آخر يحيط بالسور من ناحيته الغربية عند الباب الأخضر. وفى وصف النويرى تحديد لبعض معالم المدينة الهامة الأخرى، فهو يذكر أن دار صناعة السفن كانت تقوم بالقرب من دار الطراز، وأنه كان بالمدينة داران للصناعة إحداهما بالميناء الشرقية، والثانية بالميناء الغربية، كما كان قصر السلاح بالقرب من الباب الأخضر، وهو قصر ذو قاعات كثيرة مملوءة بالأسلحة والعدة والعتاد، أنشأ كلاً منها سلطان من سلاطين المماليك وسماها باسمه، وقد رسم السلطان الأشرف شعبان -فى زيارته هذه- أن تنشأ بالقصر قاعة جديدة تحمل اسمه، وكان لهذا القصر مسجد ملحق به، وبالقرب من الباب الأخضر أيضاً يقوم ضريح الشيخ أبى بكر الطرطوشى، وعلى مسافة منه الجامع الغربى أكبر جوامع المدينة فى ذلك العصر.
هذه هى الإسكندرية حتى أواخر القرن الثامن الهجرى (14م) غير أننا نلاحظ أن غزوة القبارصة كانت بالغة الأثر فى تاريخ المدينة وعمرانها، فقد قضت على الكثيرين من سكانها قتلاً وأسراً كما خربت الكثير من معالمها، أما أهلها الذين فروا منها أثناء الواقعة، فإنهم لم يعودوا إليها جميعاً، فقل سكانها واتضعت أحوالها، يقرر هذه الحقيقة المقريزى بقوله: "...فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مر بالإسكندرية من الحوادث ومنها اختلت أحوالها واتضع أهلها، وقلت أموالهم وزالت نعمهم"
فإذا كان القرن التاسع الهجرى فقد سارت الإسكندرية نحو التأخر والخراب خطوات حثيثة ولم يلتفت إليها من سلاطين هذا القرن إلا اثنان: الأشرف برسباى الذى أمر فى سنة 826 بإعادة حفر خليجها، وكانت قد طمرته الرمال وتعطلت السفن عن السير فيه، والأشرف قايتباى الذى زار المدينة فى سنة 882هـ (1477) وأمر ببناء برجه الجديد حيث كانت تقوم المنارة القديمة التى كانت تهدمت تماماً فى ذلك الوقت وقد تم بناء هذا البرج بعد سنتين- أى فى سنة 884 (1479) وهو ما عرف ببرج قايتباى ثم طابية قايتباى التى لا تزال قائمة فى مكانها حتى اليوم، والتى أصبحت منذ ذلك الوقت من أهم المعالم المميزة للمدينة وإن كانت قد نالها شئ من التغيير، وخاصة زوال مسجدها الذى كان يبدو واضحاً بمأذنته العالية فى الرسومات التى رسمت للمدينة فى القرون 16، 17، 18
ونضيف إلى ما سبق أن بعض نواب المدينة كانوا يبذلون بعض الجهد لإصلاح أحوال المدينة، وقد أقام نفر منهم بعض المنشآت فيها ومن هؤلاء: الأمير قجماس الإسحاقى الظاهرى الذى ولى نيابة المدينة من سنة 875 إلى سنة 880، فإن المراجع تذكر أنه بنى بها مسجداً خارج باب رشيد، وأنشأ إلى جانبه تربة له وخاناً يأوى إليه المسافرون لينالوا شيئاً من الراحة قبل دخولهم المدينة، كما أنه أنشأ رباطاً خارج باب البحر، وجدد جامع الصوارى خارج باب سدرة، وقد زالت مبانيه هذه جميعاً ولم يبق لها أثر.
وفى السنوات الأولى من القرن العاشر الهجرى (16م) كانت الدولة المملوكية قد نال منها الإعياء، وأوشكت أن تحتضر، وكانت الإسكندرية كلها قد انحدرت إلى حال من السوء شديدة يصورها ابن إياس تصويراً واضحاً وهو يصف زيارة السلطان الغورى لها، فيقول: "فلما شق (أى الغورى) المدينة زينت له زينة فشروية وكان ثغر الإسكندرية يومئذ فى غاية الترحل والخراب"، ثم يقول: "ولم يكن بثغر الإسكندرية يومئذ أحد من أعيان التجار- لا من المسلمين ولا من الفرنجة، وكانت المدينة فى غاية الخراب بسبب ظلم النائب وجور القباض، فإنهم يأخذون من التجار العُشر عشرة أمثال، فامتنع تجار الفرنج والمغاربة من الدخول إلى الثغر، فتلاشى أمر المدينة، وآل أمرها إلى الخراب، حتى قيل: طلب الخبز بها فلم يوجد، ولا الأكل ووجد بها بعض دكاكين مفتحة، والبقية خراب لم تفتح، وكانت الإسكندرية من أجل مدائن الدنيا"
 

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2009 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان