في تأبين الشاعر المبدع
عبد العليم القباني
د. محمد زكي العشماوي

   كان الصديق العزيز المغفور له الشاعر الكبير عبد العليم القباني إنساناً أُوتي من رهافة الحس، ولطف الطبع، وصفاء البصيرة ما مكنه من الترفع عن توافه العيش وترهاته .. فكان بحقٍ أُنْشودة عذبة في فم الحياة.

لم يَطْوِهِ الموت !! فمثله لا يطويه الموت !! فها هُوذا يزدادُ إشعاعه تألقا، ويغزو القلوب والأفكار غزو الصديق، لا غزو العدو .. يعيش في قلوب الناس، أحبهم فأحبوه، فهو مِنْ قَبْلُ ومن بعد، ثمرة من الشجرة التي هم منها، وقيثارة شُدَّتْ أوتارها بقلوبهم، ومصباح يستمد نوره من بصائرهم وأبصارهم .. فهو منهم، وفيهم، ولهم ..!!
فقد كان أخا للإنسان أينما حل وارتحل، وذلك لعمري هو الإشعاع الباهر، هو المجد البنَّاء، وهو العبقرية الخلاَّقة.
عرفتُ عبد العليم القباني وعاشرتهُ وزاملتهُ وصاحبته رحلة العمر على مدى خمسين عاما .. عرفته روحا طيبة تشع لطفا، وصدقا، وعزما، وإباء، وتشوقا إلى الخير، يعيش بغير تكلف ولا تصنع، أو استجداء للإعجاب والاستحسان، بل كان يمضي بيننا كما يجري الجدول أو ترفرف الفراشة، وكلما جلست معه أو حادثته، أشعر أنني أسترد روحي الضائعة مني، وأجدني أعيش زمنا يربط الإنسان بالإنسان .. تنتقل كلماته الدافئة في دمي وخلاياي، وفي أنفاسي، فتطهرني وتغسل كل ما في دمي من شوائب.
لقد كان بشخصه وأعماله أشبه باللمحة الأسيرة التي لن تظفر العين بمثلها .. لمحة باهرة مُخْتطفة أو قُلْ هاربة من صميم الحياة والطبيعة، أو من صميم نفسه، فلا يطويها الزمان مثل ما يطوي غيرها لتفردها، حتى لكأنها اللمحة التي ما انبثقت من الزمان إلا لتقهر الزمان.
وإذا أَلْقى علينا شعره فهو يبث شعوره بالحياة بَثًّا أشبه برذاذ المطر يتساقط في سكينة الليل على البقاع العطشى فيؤنِسُها ولا يُزعجها، ويُحييها ولا يَجْرفها.
وكان من أروع سماته التعقل والدعة وسماحة النفس كالنبعة الصافية، يُنحِّي الجانب الشخصي ولا يسمح بالخلط بين ما هو عام وما هو خاص، فكانت آراؤه ومواقفه جميعها نزيهة، وهذا الخُلق عادة لا يكون إلا عند الراسخين في الضوء الذين منحهم الله الحكمة وألهمهم الصواب، فقد كان رحمه الله نسيجا متكاملاً متوازنا فكراً وسلوكاً.
أضف إلى ذلك إيمانه العميق بتراثنا وجذورنا، ينطلق في أقواله وأعماله من ثابت أول ليس كمثله شيء، وهو الله سبحانه وتعالى، ثم من ركنين أساسيين آخرين، هما:
الأخلاق والانتماء إلى ثقافتنا العربية والإسلامية، يعرف مسئولية هذا التراث ويعرف مكانته وقدره.
وإيمانُه بالجذور، ينطلق عنده من مبدأ هام، وهو أن الإنسان ينبغي أن ينطلق أولاً من أرضه لمعانقة المجموع، فكلما كانت جذور المرء أعمق في أرضه كلما انتشرت هذه الجذور في أرض الناس كلهم.
ولذلك فهو حريص على حكمة الأوائل حين يعود إلى الأصل .. إلى النبع الذي شرب منه أجدادنا حيثُ الماء الصافي رافضا أن يشرب الماء من الحفرات السفلى البعيدة عن رأس النبع.
لقد استطاع عبد العليم القباني بشعره المتميز لغةً وروحا وأصالة أن يعيد صلتنا بينابيع أصالتنا وقوتنا الداخلية، فليس من شك في أن عودة مجتمعنا إلى صحته لابد أن تَنْهض أولاً على التغلغل في كياننا الروحي والعقلي والتأكيد عليهما، ففيهما يتحقق وجودنا، وتبرز شخصيتنا المتميزة، وتستقر أصالتنا مع اتصالنا بالبشرية بكل ما فيها من تفاوت، ومن هنا ترتقي حياتنا، وتتجدَّد، ويصبح لمجتمعنا شخصيته الفاعلة والمؤثرة على مر الأيام.
وكان يرى ـ رحمه الله ـ أن أدبنا العربي لن يبلغ الغاية المنشودة منه إلا حين تصبح مُثله العليا منه وفيه، وحتى يكون لنا من الإيمان بأنفسنا ما يدفعنا على الاعتقاد أن لدينا رسالة نؤديها للعالم، وأن تكون هذه الرسالة من الخطورة بحيث يُضْطر العالم إلى الإصغاء إليها والاهتمام بها.
أما شعره، فحسبك أن تقرأ قصيدة أو قصيدتين من نظمه لتشعر أنك في حضرة شاعر مرهف الحس، رفيع الذوق، خفيف الظل، صافي النبعة، صادق النبرة، وكل شعره يشهد له بقريحة خصبة طيِّعة، ومراس شديد، ونَفَس مديد، وهذه الشاعرية تطل عليك بوجهها النَّضْر، وعينها النفَّاذة، وخيالها الوثاب، وأينما تَنَقَّلْتَ في دواوين شعره، فلن تقول إذْ تطالعُه إنه شعور مصطنع، بل هو فن في جمال العبارة وبساطتها وسهولة تأديتها .. إنه شاعرٌ يغمس قلَمَه في قلبه، ومفكرٌ يتفقَّد زوايا نفسه وما فيها من خبايا، يعرف كيف يقترب من الحياة بعين الشاعر، فلا يترهب بعيداً في التفتيش عن موضوعاته وأفكاره، بل هي موفورة في نفسه، وفي كل ما حواليه، فلا يسعك إلا أن تُكْبِرَ مقدرته على الإفصاح عن شعوره ورأيه.
لقد ترك لنا عبد العليم ثروة ضخمة من الإبداع الشعري والبحث الأدبي يستحق منا الاهتمام والرعاية، فهو تراثٌ لعلَمٍ من أعلام الإسكندرية، وجزءٌ حي من تاريخها المعاصر، وواجبنا أن نحافظ على هذا التراث وأن نتوافر على دراسته ونشره، وهذا هو أقل ما يجب علينا نحو هذا الرائد الكبير.
رحم الله عبد العليم القباني فقد كان ذا قلب غني بالمحبة، وذا فكر طاهر من الغش، ونيَّةٍ صافية من الدنايا، وروح مطبوع على الصدق والبساطة.

 
راهــــــــب الإســـكندرية .. الذى تـــحدى الــزمــــن الســـــيرة الـذاتـــية للشــــاعر/ عبد العـلــيم القبـــانى
عبــــد العـلــــيم القـبــــاني وســــــيرته الـذاتـــــــيـة بركــان الصــمت لمحــات أخـيرة في حيـاة القبـــاني
التــــــلـــــــمــــيـــذ والحــــــقـــــــــــيــبــــــــــــــة في تأبين الشـــاعر المبــدع عبــــد العـلــيم القبـــــاني
عبـــد العــليم القبـــاني نــــجم في ســـماء الشــــــعر كلمة في حفل تأبين الشـــاعر الكبير عبد العليم القبانى
ورحـــــل عمـــــيد شــــــعراء الإســـــكـــنـــدريـــة وداعــــــــاً يــا مـــــــنـــارة الإســــــكــنـــدريـــــــة
ألبـــــــــوم صـــــــور عبـــد العــليــــم القــــبـانــى